عندما يوصف شخص ما بأنه يتعامل مع الأشباح، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ذلك الرجل العجوز ذو اللحية الطويلة، والعينين المحكولتين، يحمل بيده عصاة قديمة، وتمتلئ أصابعه بالخواتم ذوات الاحجار الكريمة. وفي الوقت ذاته، ما إن ترد كلمة الشبح على مسامع البعض إلا وترى القشعريرة قد بدأت بالسريات في جسم السامع موقفةً كل شعرة فيه. إلا أن الحقيقة أبعد من ذلك، فبين المعنى اللغوي لكلمة الشبح والمفهوم الثقافي الشبعي لها مسافة طويلة، فـ”كل ما بدى لك منه جزءٌ وغابت عنك بقية أجزائه” عدّ في العربية “شبحا”، ولأن الناس لا ترى الأشباح بل يوهم إليها ظلها، فهي تسميها “أشباحاً”.
من هنا؛ فإنه ليس من المجازفة القول؛ أننا وفي عصر ثورة المعلومات كثيراً ما نلتقي “بأشباح” في هذا الكيان الإفتراضي سواء التقنا بهم في عالم الفيسبوك أم التويتر أو غيرهما. لكن أشباح اليوم خير من أشباح الماضي، فأشباح اليوم يتكلمون لغة مفهومة، تمكننا من التواصل معهم، كما أنهم ذوو عواطف وأذواق، تسمع منهم شعراً وطرفةً وخواطر، وهم أيضاً مثقفون؛ تستفيد منهم معلومة وفكرة ورأياً . . وبالإضافة إلى ذلك فهو داروينيون، يتطورون بسرعة كبيرة في طفرات جينية تمكنك من رؤيتهم على الأرض في نهاية المطاف.
وهذه التدوينة في الحقيقة حوار مع أشباح، رأيتهم فجأة في العالم الإفتراضي، تواعدنا هناك ولم نُخلف الميعاد، وتحاورنا هناك ولم نندم، إلتقينا في حفلة عشاء فكرية على إحدى صفحات الفيسبوك، تناقشنا في أمور كثيرة تتصل بالفكر والثقافة. وبين أيديكم خلاصتها التي جرت على صفحة “الطالب المغترب” على الفيسبوك، إذ أني استقبلت عدة أسئلة، حاولت الإجابة عنها، ومن ثمة تحاورنا فيها. نظّم الموعد والميعاد @Majrash محمد العجرش، وشارك في النقاش مجموعة من الأشباح ترونهم في الأسفل. وقد وضعت الأسئلة كما وصلتني، ثم إجابتي عليها، ثم أرفقتها بالحوار الحي الذي جرى على الفيسبوك، ووضعت كل مناقشة متصلة بالسؤال المعنية بها.
أرجو لكم قراءة ممتعة

[1]
هل فهمنا للقرآن والدين بشكل العام يختلف مع اختلاف العلم و البيئة (اختلاف المعرفة بشكل عام)، ونرى ذلك جلياً في اختلاف الفقهاء، هذا الاختلاف يبين عدم وجود حق جلي و ضلال جلي بل هي أمور نسبية، في ظل هذا الاختلاف والنسبية، هل يصلح الاسلام كنظام اجتماعي، أم الأجدر الإحتكام للاحكام وضعية؟
البلوشي: الحقيقة أن هذا السؤال يتضمن ثلاثة نقاط أساسية:
1- علاقة فهم الدين (أو القرآن الكريم) بتطور المعرفة البشرية وتداخلها.
2- تحليل طبيعة إختلاف العلماء.
3- علاقة الاختلاف في أراء العلماء بصلاحية الإسلام كنظام إجتماعي.
بالنسبة للنقطة الأولى؛ ما أظنه أن فهم الدين أو القرآن الكريم لا يختلف عن قدرة فهم الإنسان لأي قضية أخرى في المجالات العلمية؛ سواء منها الطبيعية أو العلوم الاجتماعية والإنسانية. فالقضية في الحقيقة هي في قدرة الإنسان على الفهم والتعقل؛ فمن يقول بقدرة الإنسان على فهم كل الوجود بكل تفاصيله من دون أي تأثير للظروف الزمانية والمكانية والتطور العلمي عليه، من يقول بهذا الكلام يواجه حقيقة ملموسة وواضحة في تغّير الكثير من النظريات العلمية، واكتشاف الإنسان لحقائق جديدة، وتأثير البيئة عليه. وفي المقابل من يقول بإن معرفة الإنسان للوجود بكل تفاصيله وفي جميع أبعاده معرفة نسبية متأثر منفعلة، فهو الآخر يواجه حقيقة تناقض داخلي في هذا الكلام؛ فإذا كانت المعارف كلها متغيرة؛ فإن هذه الفكرة ستهدم نفسها؛ لأن الفكرة ذاتها إما أنها معرفة متغيرة أو ثابتة، فإن كان متغيرة فمعنى ذلك أن فهم الإنسان قد يكون غير متغير، وإن كانت ثابتة؛ فكيف حصلت هذه الفكرة على هذه الميزة أليست هي الآخرى نوع من المعرفة؟! وهذا أصعب ما واجهه التيار النسبي المتطرف في المعرفة.
والحل في المنهج الوسط، وذلك بالقول بقدرة الإنسان وعقله على وعي الحقائق، وبالتالي فإن نسبةَ من معارفه ثابتة؛ وهي التي على أساسها يُبنى التعامل بين البشر والتحاكم، وفي الوقت نفسه هنالك معارف متغيرة متأثر بالظروف والتطورات العلمية. كذلك الأمر في فهم الدين، فالدين في أصوله العامة وأساسياته وقيمة الرئيسية وضروراته الفقهية وشعائره العبادية ثابت ولا يتغير وواضح، وعلى أساسه تمت الدعوة والبشارة والهداية، أما على مستوى تفسيرات بعض الأمور في تفاصيل العقيدة، وتفاصيل بعض القيم، وتفاصيل الفقه؛ فإنها خاضعة للتغير في المعرفة تبعاً لعوامل كثيرة، وهي جوهر محل الإجتهاد في الدين.
بالنسبة للنقطة الثانية، من خلال النقطة الأولى يتضح أن طبيعة الاختلاف بين العلماء في المذهب الواحد، وبينهم في الإسلام بشكل عام، هو الإختلاف في غالبه في الأمور القابلة للإختلاف؛ أي في تفاصيل التفاصيل. نعم هنالك بعض الأختلافات في الأصول العقدية؛ لكنها هي الأخرى في إطار الإختلاف فيما هو محل للإختلاف. على سبيل المثال يتفق جميع العلماء على تنزيه الله ـ سبحانه ـ في صفاته، لكنهم يخلفون في أن بعض الأحاديث التي تتوغل في توصيف الله ـ سبحانه ـ هل تنقض التنزيه أم لا؟ ومثال آخر: يتفق جميع العلماء على أن الله عادل، لكنه يختلفون في بعض أمثلة العدل. وهكذا.
بالنسبة للنقطة الثالثة، من خلال توضيح النقطتين السابقتين، يتبين أن اتفاق العلماء في الأصول العامة (العقدية، الأخلاقية، والفقهية) تعطيه للإسلام والمسلمين هوية عامة جامعة، واختلافهم في التفاصيل والتفسير يعطي الأمة فرصة الاجتهاد في تطبيق الدين، وتطوير بعض المفاهيم، وإعادة النظر في بعضها الآخر، وبالتالي فإحد حدود الاختلاف وطبيعته لا يضر في صلاحية الدين لتكوين نظام اجتماعي.
ومن جهة ثانية فإن اللجوء إلى ما يسمى “بالقانون الوضعي” لكن يوقف الإختلاف، بل هو فيها ـ ربما ـ أكثر، فإذا كان سبب عدم صلاحية الإسلام ليكون نظاماً اجتماعياً هو الاختلاف، فإن هذا الاختلاف موجود في القوانين والمذاهب الوضعية بنفس النسبة إن لم تكن أكثر. هذا؛ ناهيك عن أن مصطلح “الوضعية” وتاريخه واستعماله بحاجة إلى تدقيق ومراجعة عميقة لمعرفة جذوره، لأنه يحدوني الشك في أن جذوره متعلقة بالتراث المسيحي وعلاقته بالدولة الدنيوية، وقد إنتقل إليها في فترة الاستعمار، وصنع لنا مشكلة من لا شيء، فهو أزمة في الفكر المسيحي وليس في الفكر الإسلامي.
والله العالم.
@SalehNasser86: سلام عليكم. تفضلتم في إجابتكم للسؤال حول الاسلامي وإختلاف فهمنا له عبر العصور وعبر تغير العلوم “أصوله -الاسلام- العامة وأساسياته وقيمة الرئيسية وضروراته الفقهية وشعائره العبادية ثابت ولا يتغير“. ماهي هذه الاصول ومن يحددها؟ و كيف السبيل الى حل الاختلاف اذا وقع؟ ألا يؤدي هذا الاختلاف إلى خلاف؟ وهذا الخلاف أقل حده إذا كان القانون وضعياً؟
البلوشي: سأبدأ في الجواب من نهايته، لا أعتقد أن الإختلاف في “القانون الوضعي” أقل، ويكفي لمن يريد التأكد أن يراجع حقل فلسفة القانون ليرى مدى عمق الإختلاف بين مفكري وفلاسفة القانون.
أما كيفية معرفة الثوابت الدينية؟
فالعمدة هو واضحات العقل ومحكمات القرآن الكريم والسنة، وفي الضرورات الفقهية والشعائر هو الاستقراء ومحكمات القرآن والسنة.
هذه الواضحات هي التي يعرفها ليس المسلم فحسب بل وحتى من هو خارج الإسلام، ومن خلالها يحدد هوية إنسان ما على أنه مسلم ـ بصورة عامة ـ أم لا.
ولم ولن نجد اختلاف في هذه الاصول التي تشكل الهوية العامة للإسلام والمسلمين، وإنما الخلاف يأتي في الجزئيات والتفاصيل، فعلى سبيل المثال لم يختلف أحد على أن الله واحد، وأنه عادل، وحكيم، وقدير، كما لم يختلف أحد على أن العدل والإحسان والوفاء بالعهود من الثوابت القيمية، كما لم يختلف أحد على ضرورة الصلاة والصيام والزكاة والحج، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة زواج الأخت والأم، كما لم يتخلف أحد على شعائر الدين كالحج ، والأعياد.
وبالتالي فلا أعتقد أن فرضية أن سيختلف عليها أحد فرضية واقعية.
والله العالم.
@SalehNasser86: شكراً على التوضيح. هذا الاختلاف في الجزئيات ألا يؤدي إلى الخلاف والتناحر؟ والإحتكام إلى القانون الوضعي (رغم الاختلاف فيه) يقلل من هذا التنحار وذلك لعدم أخذه طابعاً دينياً يؤدي إلى تهيج المشاعر؟
البلوشي: ما أظنه، أن الخلاف والتناحر، وتهييج المشاعر أمور ليس لها علاقة بالقانون الوضعي أو الديني، إنما هي مرتبط بثقافة الحوار، فهنالك خلاف وتناحر وضعي إن صح التعبير، وهناك خلاف وتناحر ديني، وربما يمكن معرفة ذلك من خلال ملاحظة الحملات الإنتخاباية للبرلمان أو الرئاسة في الدولة المتقدمة، فهي ممزوجة بالعواطف والمشاعر لكنها مؤطر بأسس الحوار، وكذلك يمكن النظر إلى حوارات علماء الدين في مجالس دروسهم، كما في بحث الخارج على سبيل المثال، فهي ممزوجة بالعواطف لكنها مؤطرة بأسس الحوار، هذا في الجانب الإيجابي، أما الجانب السلبي فهنالك حوارات “وضعية” تصل إلى درجة التناحر كالتي كانت بين دول أوربا ما قبل الحرب العالمية الأولى والثانية وأثنائهما، وتتكرر في بعض الدول الحديثة اليوم، وكذلك هناك تناحر ديني واضح لا يحتاج إلى إشارة خصوصاً هذه الأيام.
فالمسألة ـ والله العالم ـ مرتبطة بثقافة الحوار وليس لها علاقة بكون الخلفية دينية أو وضعية.
[2]
كيف ينقض الفكر المسلم نظرية التطور بالأدلة العقلية فقط؟
البلوشي: الحقيقة أن هذه القضية متعلقة بمسأل علاقة الدين بالعلم، فالمسألة ليست متوقفة على نظرية التطور، أو الإنفجار الكوني أو الكوانتم، بل تتصل بتحديد موقف علمي واضح من علاقة الدين بالعلم، وهذه القضية باتت اليوم قضية جديّة من حيث الأهمية ومن حيث مستوى البحث وعمقه. كما أنها تُبحث اليوم في ظل متغيرين مهمين، هما: أولاً: نضوج العلم ووصله إلى خبرات متراكمة كبيرة، خصوصاً بعد البحوث العميقة في حقل “فلسفة العلم”، فقد أعيد تعريف مفهوم العلم وطبيعته، وطرحت العديد من النظريات في تفسيره. وثانياً: نضوج الفكر الديني، وانخراط علمائه في المجلات العلمية، مما يجعل الحوار في المسألة أكثر نضجاً مما كان عليه في السابق.
وفوق هذا وذلك، فإن ما أظنه إن إشكالية العلم والدين إشكالية مسيحية أكثر منها إسلامية، وخصوصاً فيما يتعلق بنظرية التطور.
والله العالم
[3]
ما هو تعريف الدين؟ وما هو الإسلام؟
البلوشي: ليس من السهولة تقديم تعريف عن “الدين”، فالمسألة ليست لغوية بحيث يمكن من خلال الرجوع إلى معاجم اللغوية حسم المسألة فيها، بل القضية معرفية وفلسفية وفكرية، ولا يمكن فيها تحديد تعريف عام يدخل جميع الأديان تحت نفس المسمى، بل إن حتى دارسي الأديان لاحظوا هذه الإشكالية؛ إذ وجدوا فوارق واضحة بين “الأديان” السماوية الكتابية وبين غيرها من الأديان غيرالكتابة كأديان شرق آسيا، كما وجدوا فوارق كبيرة بين هذه الأديان من جهة، و”الأديان” الأفريقية. من هنا اختلط الكلام عن الدين مع الكلام عن الخرافة، وكثير من النقاشات وقعت في مشاكل منهجية في تناول مسألة الدين لأنهم يريدون وضع الأديان جميعها في مسمى واحد، فليس من المعقول في نقاش أي قضية تتعلق بالدين أن نضع الدين الإسلامي بمنهجية وتاريخ وتراثه مع الدين الأفريقي بمنهجيته وتاريخ وتراثه تحت مسمى واحد. مثلاً لو أراد احد مناقشة قضية علاقة الدين بالسياسة أو العلم أو الحياة، فإن “الدين” الإسلام شيء و”الدين” البوذي شيء آخر، بالتالي لا يمكن إطلاق حكم عام في الموضوع بالقول “أن الدين يصلح في الحياة السياسية أو لا”، لأن الكلمة في كل منها وإن تشابت تماماً في اللفظ لكنها مختلفة تماماً في المعنى.
وكذلك الأمر في تعريف الإسلام، فهنالك خطوط عريضة جداً في العقيدة والاخلاق وضرورات الفقه والشعئر الدينية العامة يمكن القول عنها أنها الإسلام، لكن في التفاصيل هنالك اختلاف بحسب المنهجيات في تفسير الإسلام.
والله العالم
[4]
ما تقولون فيمن ينكر أن هناك حد للردة؟
البلوشي: المسألة تتعلق بمعنى “إنكار حدّ الردة”، فإن كان الإنكار تاريخي بالقول أن هذه القضية ما وجدت، فهذا مخالف للتاريخ، فالتاريخ يشهد بوجود هذا المفهوم منذ بالبدايات الأولى للرسالة، وأما إنكارها من حيث بعض التفسرات التي تصور مسألة حدّ الردة على أنه ضد حرية التعبير والمعتقد، فإنا مع المنكرين إتباعاً لآراء العلماء الذين يأطرون قضية الردة ضمن حدود واضحة تتناسب مع بقية قيم الدين وعلى رأسها الحرية في الإعتقاد وعدم الإكراه في الإيمان وحرية التعبير.
والله العالم
@SalehNasser86: ماهي حدود حرية التعبير؟ وهل الإسلام يبيح حرية الاعتقاد أم حرية التعبير و نشر الاعتقاد أم كليهما؟
البلوشي: في البدأ لا بد من تأكيد حقيقة، وهي أن القيمة، أيّة قيمة، لا تعيش في فضاء مستقل على بقية القيم المجاورة لها، وبالتالي هي ليست اللاعب الوحيد في الملعب، بل هناك لاعبون آخرون في الميدان، فتحديد حدود أي قيمة مرتبط بالنظر إلى بقية القيم.
هذا الكلام يجري مع موضوع حرية الرأي والتعبير، فهي قيمة أصيلة للإنسان ليست بحاجة إلى جهة لتبريرها وتشريعها، بل من يريد تقييدها بحاجة إلى دليل ومقيّد، وهذه المقيدات هي ليس مقيدات دكتاتورية دائماً بل قد تكون قيم أخرى، مثلاً قد تتعارض حرية الرأي مع قيمة السلم الاهلي، وهو ما يسمى في أدبيات حرية الرأي بـ”خطاب الكراهية”، وكذلك الأمر قد يتعارض مع السب والبهتان وقذف الأعراض، كما قد تعارض مع تزوير الحقائق قضائياً أو تجارياً من خلال نشر أخبار خطأ عن شركة معينة مما يؤدي إلى ضرر اقتصادي، كما قد يتعارض مع الحياء العامة، وذلك من خلال الكلام الفاحش.
وبالمناسبة أقول فإن الجدل في هذا الموضوع ليس دينياً فقط بل حتى في الإطار غير الديني تناقش هذه المواضيع.
وعليه: فإن حرية الرأي والتعبير الأصل فيها الإباحة، أما تقييدها فهو خاضع لمجموعة كبيرة من المحددات التي قد تختلف من زمان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر.
وبطبيعة الحال فإن حرية التعبير متربط بنشر العقيدة، وتخضع لنفس المعايير.
على سبيل المثال، النازية ممنوعة بكل وجوهها في المجتمع الغربي، شعاراً وترويجاً ونشراً ودفاعاً عنها، والسبب ليس تقيد حرية الرأي بل لأنها فكرة تخالف ثوابت ما قامت عليه الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية (بالإضافة لدعوتها للعرقية والعنف).
@SalehNasser86: وما معايير حرية التعبير في الاسلام و ضوابطها؟
البلوشي: هي من المسائل المتغيرة التي ترتبط بظروف الزمان والمكان؛ فالمجتمع وطبيتعه، والزمان وطبيتعه لهما دخالة كبيرة جداً في تحديد الضوابط، فظروف الحرب غير ظروف السلم، والحديث عن الأشخاص غير الحديث عن الأشياء، والبحث البحث العلمي غير الدعوة للكراهية.
وبالتالي يمكننا القول: أن حرية التعبير من الثوابت، وتحديدهاً من لمتغيرات المرتبط بالظروف مراعاة للقيم الأخرى ونظراً للواقع المعاش.
@A_AlShemali: في معرض جوابك عن حد الردة، هل إذا قررنا نعمل نظام سياسي إسلامي فهل من الصحيح أن تكون من ضمن قوانين هذا الدولة حد الردة ، يعني إذا ارتد أحد المسلمين فيها يستتاب ثلاث أيام وإذا لم يتب يقتل؟
البلوشي: نحن بحاجة أولاً لتحديد مفهوم حد الردّة، وأنها فرع عن أي أصل أخلاقي فقهي في الإسلام، وبالتالي تحديدها في موردها، أو إعادة قراءتها من أساسها، قد تكون من المفاهيم التاريخية، أو ما يعبر عنه باللغة الفقهية من “القضايا الخارجية” أو “قضية في واقعة”. هذه المسألة بحاجة إلى اجتهاد من أهل الاختصاص.
والله العالم.
@Abdallahq8: ماذا نرد على من يقول بأن مفهوم الاستتابة المترتب على ارتداد الشخص من دينه مدعاة لترسخ النفاق وشيوع التدين الظاهري، فالمرتد غالبا لا يرجع عن ارتداده إلا خوفاً على نفسه ودمه من الإراقة؟
وما رأيك بمن يعتقد بأن حكم الردة رغم ثبوبته تاريخيا الا انه يجب ان لا يؤخذ بمنأى عن سياقه التاريخي وظرفه الزماني، سمعنا آراء تدعي بأن الحكم كان ضد المرتدين الحربيين .. ويستدلون بعبدالله بن أبي سرح كاتب الوحي الذي إرتد .. ولكن الرسول لم يطبق عليه الحد بعد شفاعة عثمان له .. فلو كانت الردة حداً شرعياً ومن حكم السماء فكيف يتسامح الرسول (ص) معه ولا يطبق عليه الحدّ؟
البلوشي: هذا النقد صحيح على مفهوم الردّة بالصورة المطروحة، فلا يمكن تغيير قناعة إنسان بالقوة الجسدية والترهيب.
أما التفسير التاريخي للردّة فإني أميل إليه كثيراً ـ رغم عدم بحثي للموضوع بصورة مسهبة ـ وما يعين عليه عدة أمور:
1- أن حكم الردة لم يرد في القرآن الكريم، بل جاء ـ إن صحة النسبة ـ في السنة النبوبة. والسنة النبوية فيها أحكام زمانية وأخرى دائمة.
2- الكثير من روايات الردّة تتناسب مع تبرير وقائع القمع التاريخي لبعض الخلفاء وللأمويين، وبالتالي فإنها محل شك في صحتها من هذه الناحية، خصوصاً أن أئمة أهل البيت (ع) ـ وفقاً للمذهب الشيعي ـ لم يتنس لهم الحكم حتى نعرف رأيهم الواضح والصريح لموضوع الردة، ألا الإمام علي (ع) والتي كانت حياته ميلة بحرية الرأي حتى حرية رأي من كفرّه من الخوارج.
والموضوع كما قلت بحاجة إلى اجتهاد جديد.
والله العالم.
@SalehNasser86: هل هذا الأمر يجري على من يقوم بزعزعة المعتقدات وبث الشبهات في المجتمع الاسلامي؟
البلوشي: تحديد معنى الشبهة، والزعزة، مرتبط بالظروف، وبالتالي لا يمكن تحديد مفهوم ثابت لهما. فالمسألة ترتبط كما قلت بعلاقة النقد والرأية ببقية القيم والظروف.
والله العالم.
@SalehNasser86: هل القصد من كلامكم ان الحد موجود، ولكن تفسير الردة مختلف فيه حسب الظروف؟
البلوشي: الحد وهو القتل مذكور تاريخياً، ولا أعرف مدى صحته، بل أشكك شخصياً في كثير من المنقولات خصوصاً تلك التي تنقل عن النبي الأكرم (ص).
أظن أن أصل عقوبة القتل في هذا المورد قابلة للاجتهاد من أساسها، ما لا خلاف عليه أن هو وظيفة الدولة في حماية الشعب من الضرر، وهو مفهوم نسبي، وفاعله يستوجب أن يوقف عن فعله، أما كيفية الإيقاف وتحديد الضرر فهما مرتبطان بالظروف.
والله العالم.
@Abdallahq8: مضى شيخنا 1400 سنة على هذا الحكم .. ألا يوجد من خرج بفكرة أو قرائة جديدة أو اجتهاد يصب في إتجاه مخالف لما ذهب إليه عموم علماء المسلمين؟
البلوشي: هنالك عدة اجتهادات في الموضوع، بعضها حاول معالجة المسألة من نفس الأدوات التقليدية، كما فعل المرجع المرحوم السيد محمد الشيرازي بفتح باب الاستتابة إلى ما لا نهاية، وتعطيل حد الردة في ظل ما يسميه بالشبهات العمومية في هذا العصر، كالمد الشيوعي وغيره.
وهنالك محاولات لإعادة قراءة المسألة بصورة مختلفة قدمت من علماء دين سنة وشيعة، وبعض المثقفين.
ولأن المسألة ليست من الثوابت فالاجتهاد فيها مفتوح وقابل للتجدد.
والله العالم.
[5]
ما مدى حجية الأحاديث؟
البلوشي: الأحاديث أنواع وأصناف، ولكل منهم درجة من الحجية أو عدمها، ومما لا ينكر أهمية الأحاديث كمعبر عن كلام النبي (ع) في فهم الدين ومعرفته، فهي تجلي لكلمة (يعلمهم الكتاب والحكمة).
والله العالم
[6]
الحسن والقبح أمران عقليان، فهل نحتاج إلى دين ليعلمنا الأخلاق الحسنة؟
البلوشي: صحيح أن عند غالبية الإمامية، والمعتزلة، وبعد الزيدية، وجزء من أهل السنة والجماعة، يقولون أن الحسن والقبح عقليان (على الاختلاف في تفسير المسألة)، لكن الأخلاق لا تحتاج فقط إلى مجرد التحسن والتقبيح العقليين، فهذه هي المرحلة الأولى في بناء الأخلاق، وهو الإيمان بقدرة العقل على اكتشاف القانون الأخلاقي، إلا ان هنالك مراحل أخرى غيرها. والدين الإسلامي في جميع المراحل يمثل ضرورة، فهو في المرحلة الأولى، أسس للإنسان العاقل، وآمن بالعقل ودوره في اكتشاف الأخلاق، واعتباره منبعها (كما في حديث جنود العقل والجهل)، كما أنه في مراحل أخرى كان سنداً أساسياً فيها.
إذ أن الأخلاق بحاجة إلى تطهير النفس من الهوى ليستطيع العقل الوصول إلى القيم الأخلاقية، وللدين في هذا المجال دور كبير من خلال الشعائر الدينية، والآداب الروحانية. كما أن الأخلاق بحاجة إلى قدوة عملية تمثل رمزاً لأهل الفضائل في الحياة العملية، وهنا أيضاً للدين دور كبير من خلال تقديم القدوات البشرية من الأنبياء والرسل والأولياء (ع) ليكونوا قدوات عملية للبشر على الأرض وأسوات تُتَبَع. كما أن الأخلاق بحاجة إلى صياغة قانونية تضفي عليها القداسة التي تحميها من أن تكون ألعوبة في أيدي الطغاة، وهنا دور الدين من خلال نصوصه الواضحة المحكمة في الدعوة إلى العدل والحق والحرية، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور، وأداء الأمانة، والإحسان، ونصرة المستضعفين؛ والتي تتحول إلى قواعد أصولية وفقهة للتشريع.
ويكفي لتلمس هذه الحقيقة مطالعة بعض الجدل الأخلاقي في عالم اليوم، والذي يدور في أروقة منظمات دولية، وفي قاعات الجامعات، وعلى ألسن فلاسفة الأخلاق والقانون والسياسية، إذ أن بالنظر إلى هذا الجدل يتضح إلى أي مدى أن مجرد القول بالتحسين والتقبيح العقليين للأفعال، لا يمكن أن يؤسس نظاماً أخلاقياً، بل هي مجرد البداية.
والله العالم.
@SalehNasser86: بالنسبة للتحسين والتقبيح العقليين وعلاقتهما بالاخلاق، تفضلتم بالآتي: “الأخلاق بحاجة إلى صياغة قانونية تضفي عليها القداسة التي تحميها من أن تكون ألعوبة في أيدي الطغاة“. لا يجعل ذلك من رجال الدين سلاطينا باستغلالهم للدين؟
البلوشي: “التسلطن” ـ إن صح التعبير ـ ظاهرة بشرية يقوم بها عالم الدين كما يقوم بها عالم الطبيعة، أو السياسي أو التاجر أو غيرهم من أصحاب طموح السيطرة، وهم من أجل ذلك يتوسلون بكل شيء.
المقصود من تلك العبارة هو الإجابة على سؤال: كيف نحمي الأخلاق من ان تكون ألعوبة بيد البشر، خصوصاً في أساسياتها وخطوطها العريضة؟
وما كنت أفترضه أن أحد جوانب حماية الأخلاق هو بربطها بجهة عليا مقدسة، وقد حاول البعض البحث عن جهة “عليا” غير الدين، كمن قال بالقانون الطبيعي، وأن الطبيعة هي التي تؤسس للقيم الأخلاقية، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يسلب الإنسان “حقه الطبيعي”، لكن مع تقدم العلم، وتطور البيولوجيا، فإن مفهوم الطبيعة البشرية وضع على المحك، وصار البيولوجي ناطقاً باسم الطبيعة، وبالتالي باتت الأخلاق غير محمية.
يرى البعض أن الحل بإرجاعها إلى الله ـ سبحانه ـ وهذا يحميها من عدة جهات:
1- أن التعدي عليها، تعدي على الله ـ جل وعلا ـ.
2- أن من يفهمها هو جميع خلق الله، بأدني مستوى علمي، لأنها فطرية وعقلية في خطوطها العريضة.
3- أن تأسيسها وتثبيتها هو إقامة لدين الله ـ سبحانه ـ.
أما علماء الدين، فهم ليسوا عرقاً من البشر، بل من يريد أن يكون عالم دين فليس هنالك شرطاً غير شروط العاقل العامة.
نعم، قد يجير بعض العلماء الأخلاق لمصالحم من خلال تفسيرات وتأويلات معينة لكن المجتمع الحر ورقابة الناس تمنع هذا الاستغلال.
كمثال على هذا الموضوع: قضية الاحتباس الحراري، فثمة جدل يدور حول حقيقته، وهنالك تهم لعلماء معينون في الأمم المتحدة يحورون من المعلومات من أجل مصالح معينة، أو علماء الاقتصاد الذي يحورون معلومات معينة لفرض ديون على دول، أو علماء الطب الذي يوصون بأدوية معينة من أجل تسويق لشركات أو دول مصنعة لأدوية معينة.
الذي يكفل منع العلماء، كل العماء في كل الاختصاصات، من التحريف والاستغلال هو المجتمع المفتوح الحر الناقد.
@SalehNasser86: ولكن الأخلاق لايستوعبها جميع البشر. و عندما يكون التعدي عليها تعد على الله، هنا يتسلطن رجال الدين بتقديم تفسيرهم للاخلاق و يصبح التعدي على مثل هذا التفسير تعد على الله.
البلوشي: بل يستوعبها جميع البشر بفطرتهم، قد يغفلوا عنها وقد يخدعون، لكن في ظل المجتمع الحر والناقد فإن تحريفها واستغلالها أقل بكثير.
أما إذا استغلها علماء الدين، فإن عدالتهم تسقط، وبالتالي تسقط سلطتهم في التقليد والاتباع، ويكونوا من علماء السوء.
@SalehNasser86: ولكن في جوابكم أشرتم إلى عدم قدرة العقل منفرداً على إدراك الاخلاق!
البلوشي: العقل بمعنى تلك القوة القادرة على الإدراك والحكم والتعقل، قادرة بلا شك على معرفة الأخلاق، لكن هذه القوة بحاجة إلى معونات من قوى أخرى في النفس البشرية، كقوة الإرادة أما الأهواء والشهوات التي تحرف فهم الإنسان، ومعونات من المتجتمع في تقديم القدوة الصالحة . . . الخ.
العقل في اللغة الدينية يطلق على مركب قدرة التعقل والعمل على أساسه، لذلك نرى الإمام الصادق يصف العقل وجنوده.
والله العالم.
@SalehNasser86: المجتمع الحر الناقد، هل للجميع حق النقد فيه؟ اذا كان كذلك فسيدخل من هو غير المختص وتختلط الامور. ام ان يكون المنتقد من ذوي الاختصاص كما في الجامعات و المحافل الاكاديمية حيث لايحق لاحد ابداء رأي مالم يكن مختصا؟
البلوشي: المجتمع الحر الناقد مكون من تركيبة مؤسسية، وثقافة عامة، تجعل التعبير عن الرأي والنقد سمة بارزة فيه، وذلك من خلال مؤسسات الإنتخاب، وتوفير التعليم للجميع، وحرية تداول المعلومات، والصحافة الحرة، وتساوي فرص النفوذ إلى مناصب البلد.
أما دخول غير المختص في اختصاص الغير، فهذه مسألة بحاجة إلى معالجة من جانبين:
1- في أساس تقسيم الاختصاصات، فالعلم اليوم بات لحمة واحدة، وقضايا المجتمع مترابطة بشكل عضوي، فلا يمكن الحديث عن قانون تنظيم باصات النقل ـ على سبيل المثال ـ من دون الحديث عن سياسة المرور، وحقوق العمال، وساعات العمل، والمناطق التي يخدمها، وطبيعة السكان، وحاجات السوق، ومراكز العمل . . . فبالتالي الحديث عن الاختصاص رغم صحته إلا أن المبالغة فيه دكتاتورية مغلفة، والمعرفة تراكمية، وتعتمد على التكامل بين جميع الأقسام، ومن ينتقد فإنه قد يكشف عن جانب من الموضوع.
2- حق إبداء الرأي ليس له علاقة بمستوى علم صاحب الرأي، قد يكون هنالك علاقة بين أن يكون الرأي ملزم وبين الاختصاص، لكن ليست هنالك علاقة بين إبداء الرأي والمستوى العلمي.
مثلاً: من حق الجميع نقد اتفاقية اقتصادية معينة بين بلده ودولة أخرى، لكن هذا النقد ليس ملزم، الملزم هو قرار البرلمان استناداً للاقتصاديين.
وكمثال حي آخر على: أنظر إلى فكرة الريفيو (review) في المنتجات التي تبيعها الشركات العامة، سواء كان المنتج كتاباً أو تلفون أو لعبة أطفال، فإن إبداء الرأي فيه مفتوح للجميع، وهو عامل صحي، لكن الشركة غير ملزمة بالنقد، لكن توفر النقد للجميع يساعد الجميع على القرار الصحيح.
[7]
من المسلمات أن الأمور العقائدية لا يوجد فيها تقليد، على عكس الأمور الفقهية. فما معنى عدم وجود تقليد في الأمور العقائدية؟ ولماذا ينعت البعض ممن خالف الجماعة بالمنحرف فكرياً أو الضال، إذا وصل به التفكير إلى عقيدة تختلف عن المسلم بها؟
معنى عدم التقليد في العقائد أن التقليد بذاته كطريق لمعرفة الحكم الشرعي بحاجة إلى تدليل، ولا يمكن أن يكون هو دليل نفسه، لأن هذا غير منطقي، فمسألة وجوب التقليد هي بنفسها لا يمكن التقليد فيها، بل بحاجة إلى اجتهاد من الإنسان. وأساس الإيمان بالتقليد مبني على الإيمان بوجود التكليف، وهي الأخرى مبنية على وجود المشيئة أو الإرادة الإلهية، وهي الأخرى متعلقة بصفات الله ـ سبحانه ـ وبالتالي بوجوده ـ عز وجل ـ، فالقضية تسلسل منطقي، فالعقائد هي التي تنشؤ مساحة التقليد، وتشرع حكمها، فلا يمكن للتقليد أن يوجد إلا بعد وجود العقيدة، وبالتالي لا يمكن بناء العقيدة على التقليد، وإلا قدّمنا ما حقه التأخير، وأخرنا ما حقه التقديم منطقياً.
أما نعت الآخرين بالإنحراف والضلال؛ فلا بد أن يخضع لمعايير تتصل بضرورات الدين التي لا يشك بها أحد، وأن يكون تحت رقابة المختصين لا تحت أيدي التوجهات الاجتماعية والسياسية التي تستخدم مثل هذه الأوصاف لعوامل اجتماعية غير علمية أو دينية.
والله العالم