مذكرات “طالب” في الحرم الجامعي البريطاني: مع البدايات (٢)

لا تغريني كثيراً هلوسات علماء الأعصاب والمخ في توصيفهم “للذاكرة البشرية”؛ والتي عادة ما تُختزل بكونها مجموعة من الكهربائيات التي تتواصل عضوياً في جزء من رأس الإنسان يشبه الجوزة ويُعبّر عنه بـ”المخ”، بحيث تشكل تُلاقي هذه الموجات بطريقة معينة رموزاً كهربية تتضمن “أحداث” معينة؛ فإذا ما جُمعت محبوكةً عكست “ذاكرة إنسانية”. وإذا ما أصيب الإنسان بفقدانها، فإنه يخضع لعمليات صدم كهربائي أو يتناول حبوباً تنشّط هذه الأمواج الكهربائية لتتلاقى مرة أخرى في قنوات تلك الجوزة متعرجة بين دهاليزها باحثة عن معادلة تعيد الذاكرةَ إلى نشاطها الطبيعي. بل أميل لتصورٍ أن “الذاكرة” محلها ليس في المخ، بل هي تسكن في الروح ولعل مقرها القلب، ولا تتصف دهاليزها بمتعرجات الجوزة بل هي أقرب إلى طبقات الأرض أو أعماق الكهوف أو في أحيان أخرى تشبه الشجرة، وأحياناً أتصورها أشبه بجدار أثيري مكثف يماثل جسم الإنسان ويحيط به، ما إن تخترقه حتى تدخل في طبقات زمنية لا تتصل سببياً ببعضها، بل تشكلها شبكات نسقية محبوكة من أجزاء تربطها “التجربة” الروحية والعاطفية، تجربة العزم والإرادة، أو تجربة الألم والمعاناة، ولربما تجربة الحب . . المهم أنها ذلك النوع من التجارب التي تنتفض فيها روح الإنسان وتلامس أعماقه.

فإذا ما أراد الإنسان فعلاً أن يمارس “الاستذكار الذاتي” فإنه سيوغل في طبقات الزمن هذه ولا يدري أين سيقف، لكنه لكي يروي “الحكاية” فإنه مجبرٌ على تحديد خط البداية.

وهنا سأختار بداية ترجع إلى ما قبل أكثر من عشرة أعوام، لكنني سأتنقل بينها وبين أحداث تتراوح في السنوات الأربعة الماضية.

وبدءً أقول؛ إن عوامل “الضرورة” ستجعل أشخاصاً كثر في الحكاية لا يظهرون، مع أنهم هم أبطالها بل صناعها، وهذه مفارقة أخرى في طبيعة “الذاكرة” ففي الوقت الذي تكشف فيها عن “الحدث”، فإنها “تكتم” فيها “الخبر”!

لكنها أيضاً طبيعة الدنيا، فهي ليست يوم الشهادة، فذلك لا يكون إلا عند الملك الجبار!

* * *

كثيرٌ من القرارات المصيرية تتخذ بعفوية لا تتناسب مع الحدث، لكن كثيراً من الناس يظن أن القرارات الكبير نتيجة لتفكير طويل. وحين استرجع ذاكرتي في جملة من أهم القرارات في حياتي أرى العفوية كانت العنصر الأساس فيها وليس التفكير والتخطيط. وأفضل القرارات ما كانت أكثر براءة وعفوية، لأنها لن تكون مدعومة بنور العقل فقط بل وبنور العزم أيضاً. فمن منا يختار قرار الحب، ومن منا يخطط للشجاعة والمروءة، ومن ذاك الذي يتروّى في الكرم والفضيلة بل كلما أطال الإنسان فكرَه في هذه الأمور استأثرت بها القوى الخبيثة في النفس، وكلما تركها لنداء الفطرة، وعزيمة الخير كلما تلألأت جمالاً وروعة.

في وادي عرفة، محرماً لرب العالمين، برفقة ولي من أولياء الله – عزّ وجل – عقدت العزم على التفرغ لطلب العلوم الدينية، والالتحاق بركب الحوزة. وعلى الرغم من انحلال عقدة الإحرام خلال أقل من يوم مصحوباً بالنحر والحلق إلا أن العزيمة ظلت على عقدها بل كان المنحور هو النكث، والمحلوق هو الزينة.

IMG_3103

رجعت من مكة المكرمة إلى الكويت محمّلاً بالشوق والبشارة لأسرتي، وبالذات والديْ، لقراري بالذهاب للحوزة، خصوصاً أنها كانت أمنية والدتي، وحلم والدي. وعلى الرغم من تردد والدي في الموضوع في الفترة الأخيرة، إلا أن القرار كان أشبه ما يكون تصديقاً “للرؤيا”. فقد كنت قد رأيت في المنام قبل اتخاذي للقرار بأربع سنوات وكأني أقف قرب والدي، كما يقف الفصيل بجوار أمه، وهو واقف على سجادة صلاته. وكلما تلا أجزاءً من الأذان تلوتها وراءه، ثم فعلت الشيء نفسه عندما تلا الإقامة. وقعت الرؤية حين كنا في أحد الصيفيات نقضيها في لبنان، وتحديداً في منطقة صوفر الجميلة. وما إن رجعنا إلى سوريا والتقينا هناك ببعض العلماء حتى سألتهم عن تعبير المنام هذا. فكان الجواب “أنك تحقق طموحات والدك”. في نهاية الأمر وافق والدي على الذهاب للحوزة، بشرطين لن أذكرهما، ووعدني أن يكون لي سنداً وظهيراً، وكان فعلا ولا يزال أكثر مما وعد.

كان قراراً مثل هذا في ذلك الزمان (وربما إلى اليوم بنسب مختلفة) يعتبر قراراً ينتمي إلى العالم القديم، أفهل يعقل أن يُعزف عن المنح الدراسية للدراسة في الغرب حيث “الحداثة” والتطور، ويُذهب إلى “الحوزة” حين “الداخل فيها مفقود” والمستقبل فيها مجهول. أليس ضرباً من الجنون هذا!

وكلما كان موعد السفر يقترب لهذه “الهجرة” كلما كانت الأمور تزداد إثارة، وفي الوقت نفسه كانت الضغوط المعاكسة تزداد أيضاً، وكأنها النار التي تصقل الحديد أو تصفي الذهب، ولكن “لولا أولي بقية” يأمرون بالمعروف، ويدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، لكنت قد استجبت لتلك الضغوط. ولكنها في مطلق الأحوال مضت بل مضت سريعاً.

كان عشاءي الأخير في بيت جدي، الذي ربيت فيه ردحا من الزمن، ولا أزال أتذكر المائدة التي اعتاد جدي وجدتي تناولها، شاي، جبن أبيض “بلدي”، خبر “رقاق”، خبر “إيراني، زيتون أسود “ماصخ!”. كانت المائدة صينية نحاسية دائرية، وعن يميني جدي عيسى البلوشي (رحمه الله)، ذاك الإنسان الذي أكثر ما يصدر عنه هو الصمت، وأرق ما فيه نظرة عينية الرؤمتين، وألطف ما فيه بسمة ثغره المليئة بالسرور. وعن يساري جدتي، والتي نسميها “ننّ”، والتي تعني في لهجة بني البلوش “أمي” أو هي على الأقل الكيفية التي ننادي بها الجدة. و”ننّ” هذه امرأة تنتمي إلى عصر الأسر التي كانت فيها الأم “سيدة” بيتها المطاعة، لا كما هو في زماننا بعد أن تهشمت الأسرة بحيث باتت الأم أقرب لأن تكون “ضيفاً” من أن تكون “سيدة”. وفي مطلق الأحوال “ننّ” (أطال الله في عمرها) ذات شخصية قوية، مكنز الأسرار والعواطف، مخضرمة شهدت أجيال كثيرة، وربّت على يديها أغلب أحفادها، مشهورة “بشايها” الذي يُقصد من بعيد، و”بقالتها” التي أورثت بها حب التجارة في أحفادها.

Baba Essa

أنتهى العشاء، لكني لم أكن أعرف كيف أنهيه، هل أقوم على فوري أم أظل أتزود بجدّيْ، فبين حماسة السفرة وحزن الفراق، بل لم أكن أعرف ما الأدب، فهل أعبر أني انتهيت من الطعام أم أنتظر إشارة منهما؟! لكن كيف وأنا لا أجرأ حتى على النظر إلى عينيهما! لكن الوقت كان يمضي، وكان لا بد من الحسم. التفت إلى جدتي أولاً ولا أدري لماذا! وكأني أقول لها: “قد حان وقت الوداع”، نظرت إليّ ووجهها يحمل الكدر، ثم التفت إلى جدي لكني لم استطع النظر إلى عينيه، وقلت له: “بابا عيسى! عليّ الذهاب الآن!” ومددت يدي مباشرة إلى يديه أقبلها قبل أن أقبل جبينه مودعاً، ثم قمت إلى جدتي مقبلاً يديها، ثم رأسها، ولم أكتف فاحتضنتها، ولا أزال ممسكاً عبرتي، وعندما فارقتها، نظرت إليّ وكانت دموعها قد جرت على خديها، فلم تتمالك إلا أن احتضنتني ثانيةً، وقبلت عينيّ، ثم شمّت مكان نحري وهي تأنّ نحيباً، فلم أتمالك أنا بدوري إلا أن أجهشت بالبكاء، وأحسست أنّ مكاناً في جسدي، وتحديداً عند قلبي، يشتعل حرارة ووهجاً وكأن روحي تريد أن تخرج من هناك! لكنها في النهاية طبيعة الحياة الدنيا “أحبب من شئت فإنك مفارقه”!

ودّعتهما والحزن يملئ قلبي، واتجهت بسيارتي إلى بيتنا، وكل تفكيري: هكذا فارقت جدّيْ، فكيف سيكون فراقي لوالديْ!

يتبع في الحلقة القادمة . .

مذكرات “طالب” في الحرم الجامعي البريطاني: مع البدايات (١)

منذ فترة تتجاذبني فكرة تدوين تأملاتي وتجاربي الشخصية وشيئاً من المذكرات عن فترة دراسي لمرحلة الدراسات العليا (الدكتوراه) في بريطانيا، فأنجذب إليها إلى الحد الذي أعزم على البدء في الكتابة، ثم أبتعد عنها وكأنها شيئاً لم يكن. أحياناً أراها مسألة شخصيةً لتجربة ذاتية عشتها ردحاً من الزمن، فما بالي أنشرها على الملء. وأحياناً أخرى أشعر أننا رغم تمايزنا الذاتي إلا أننا تجارب متكررة في هياكل مختلفة، في مسرح عظيم نتماثل فيه الأدوار في حيّز مختلف، فما بالنا لا نتواصى بالتجربة. وأحياناً يمنعني عن العزم تنافر الطباع بيني وبين طبيعة “المذكرات”، فميلي إلى أداء الشيء “كاملاً” (وهذا ما ورثته من والدي) يتنافر مع الكتابة في المذكرات؛ التي تتطلب قلماً (أو كيبودكاً) مستريحاً من القيود. لكني الآن قد عزمت، ولا أدرني مدى قدرة عزمي على مقاومة عوامل الشد والجذب، فلا أضمن إن كنت سأستمر أم لا!

لكي تتصل خيوط التجربة ومذكراتها، فإني لا أبوح بسر إذا قلت أني بالأساس قادم من محيط يعتبر إلى اليوم ضمن الجيوب الاجتماعية “التقليدية” التي تتناقض في بنيتها الأخلاقية والتعليمية مع البيئة الجامعية الحديثة وخصوصاً الغربية منها، أيّ بيئة المعاهد الدينية التقليدية، وهي هنا “الحوزة” وهو الاسم الذي يطلق على المدارس أو المعاهد الدينية الإسلامية الشيعية. وبالمقارنة مع عموم المدارس الإسلامية التعليمية فلعل البيئة الحوزوية الشيعية لا تزال أكثرها محافظة على البينة التقليدية. ولا أقصد من التقليدية هنا أي منقصة بل إنما وصفاً اجتماعياً يقابل “الحداثة أو التحديث” (ويحلو للبعض جعلها مقابلة للعلمنة) الاجتماعي الذي طرأ على مناطق عديدة في العالم، ومنها العالم الإسلامي، الذي استجابت فيه الكثير من الكيانات الاجتماعية لصور الحداثة فغيرت فيها جزئياً أو كلياً، بما في ذلك المعاهد الدينية. فالكثير من المعاهد الدينية في العالم الإسلامي تمت عَلْمَنَتها؛ أي وضعت ضمن سياق تنظيم الدولة الحديثة بما يشمل التصرف في تنظيم مناهجها وطرق التدريس فيها، وخضوعها لسلم الرواتب الوظيفية لعموم الدولة، وتوزيع المتخرجين منها على مرافقها العامة. الحوزة الشيعية في ظني لا تزال تحتفظ بسمة التمانع تجاه هذه التغيرات.

هذه الخلفية جعلتني في تجربة الدراسة الجامعية غالباً ما أقارن ما أنا فيه بما كنت عليه. ولم تكن هذه المقارنة محايدة، بل كانت مشحونة بالتحدي والاعتزاز أساساً وبمحاولة السير على نهج “الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ”. فقد كنت أشعر أن في داخلي قعراً عميقاً من التصورات، والرموز، والرؤى، والقناعات. كنت أتخيل أن في داخلي إنساناً أكبر ما فيه “ذاكرته التاريخية”. كما كنت أشعر بتحدي كبير، خصوصاً أني مقدم على الدراسة في حواضن “الاستشراق” تلك البؤر التي كانت في مخيلتي (وهي كذلك في الواقع إلى حد كبير) المسؤولة عن كثير من التصورات المغلوطة بل والمتغطرسة عن تلك “الذاكرة التاريخية”، أي التراث الإسلامي. وكان التحدي يصل إلى قمته عندما كنت أجلس في حلقات النقاش، وذلك حين أكون أنا “الدارس” و”المدروس” في نفس الوقت.

IMG_6551

أنا مع مشرفي البروفسور روبرت غليف

هذه المقارنة كانت تتكرر في كل لحظة. فكنت أقارن مع هدف العلم في الحوزة وهدفه في الجامعة، طبيعة الدرس وآدابه في الحوزة وطبيعته وآدابه كذلك في الجامعة. كنت أقارن بين مشرفي الذي يشرف على الأطروحة وبين المشايخ الذين كنت أدرس عندهم في الحوزة، بل حتى كنت أقارن بين أوقات الدرس هنا وهناك، كيفية مناقشة الأفكار، متى أكون قد اتقنت الدرس، كيف أتناقش مع الزملاء والأساتذة.

في القادم من التدوين، سأحكي بعضاً من هذه الأمور وغيرها . . .

أَنْ أُقتَلَ واقفاً: حديثُ النفس (1)

“هذه السطور تحكي خيالاً ممزوجاً بواقع تاريخي، حاول كاتبها إعادة تمثيلها في مخيلته كما تصورها، لم يبغِ فيها الحقيقة التاريخية بمقدار ما تاق فيها إلى صورتها الرمزية، ومعانيها الدافئة التي تتداخل فيها الملحمة بالحماس، وتتجانس فيها البطولة بالدماء، وتتوحد فيها الفضيلة مقطّعة أشلاء . . فهي في أدنى معانيها قصة ثائر عانق الرماح، وفي أعلاها تجلى السماء . . إنها مقاطع من “حكاية” الحسين!”

* * *

 

أغمض عينيه مع تدحرج قطرات عرق منسدلةٍ من أعلى رأسه، فبدت له رَواحاً منعشاً مع هبوب الرياح الملتهبة القادمة من الجنوب. عندما جفف جبينَه بكفه اليسرى، فتح عينيه على جيش يمتد بمدّ البصر، طبولُهُ لا تتوقف عن العزف، وبريق سيوفه تحكي عطشاً للدماء، ورماحُهُ تتوق أن تُرفع بالرؤوس. يفصل بينه وبين الجيش رائحة الدمّ المنبعثة من أجساد عياله وإخوته وأصحابه التي كانت تمتزج بلظى الصحراء.

 

بدأ يجول بنظره على أرض المعركة والرياح تداعب لحيته وهي تميل يميناً ملتصقة بمِغْفَرِه النحاسي، كلما توقفتْ عيناهُ عند ناحيةٍ إنتابته مشاعرٌ تتداخل بذكرياتٍ خارجَ الزمان، إذ كيف يمكن أن يحتوى الزمانُ مشاعرَ الإبن البار؟! أم تَراه يستوعبُ في وعاءه معنى الأخ الوفي؟! وكيف به يحتمل صدق الصديق في مواطن النصرة؟!

 

جَحُظتْ عيناهُ برهة متأملة تَداخُلَ حمرة الدمّ بالتربّة الذهبيّة الداكنة تعلوها حَمْحَمْةُ الخيول الصاهلة التي يجول بها فرسانُها، وتتقاطعُها طَقْطَقْةُ السيوف. أغمض عينيه مرة أخرى لكن على وقع إنحدار دموعه التي سالت كنهر منفجر من نبع. ابتلت لحيته حتى اختلط باقي السواد منها ببياضها الذي اشتعل فيها فباتت تميل للون الرمادي الفاتح، فما عادت الرياح قادرة على مداعبتها وهي تهب.

 

أخذ لحيته المبلة ليجففها بيده اليمنى فتقاطرت بعض بقايا الدموع على درع صدره المصنوع من الحديد، وبعضها الآخر وقع على الأرض محدثاً ثقوباً صغيرة سرعان ما جفت من لهيب اللظى، ثم أسدل يديه مرة أخرى ماسحاً عارضيه حتى أطراف لحيته. بينما هو كذلك، تحسس حركة من خلفه، وكان يعلم يقيناً مَنْ القادم، لكنه عندما إلتفت وراءَه رأى بياضَ فرسه المتّجه إليه. وما هي إلا لحظات حتى خرج من طرف الحصان سوادُ أخته يسبقها ظلها المنعكس على الأرض ممسكةً بمقود الخيل.

 

عندما رآها، أدار وجهه ناحية المعركة، تنفس بعمق وكأنه كلما غاص في شهيقه غار في عمق نفسه يُحدثها، ثم أزفر متمتماً:  اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نَزَلَ بي ثقةً وعدةً، كم من همٍّ يَضْعُفُ فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنْزَلتُهُ بك، وشكوتُهُ إليك، رغبةً مني إليك عمّن سواك؛ فكشفتَه وفرّجتَه، فأنت وليّ كل نعمة، ومنتهى كل رغبة.

 

ثم التفت مخاطباً أخته …

 

العقل العملي، الفكر الأصولي . . والجدل المعاصر؛ قراءة مختصرة لمشهد

المرة الأولى التي وجدت نفسي أقف بجدية أمام ما يعرف ببحث “العقل العملي” كانت حين كنت أدرس في الحوزة العلمية في سوريا، وقد كنت آنذاك ملتزماً بمباحثة يومية مع أخي وصديقي الحبيب الشيخ هاني الحكيم. كانت مادة المباحثة هي الجزء الأولى من الموسوعة الفقهية للمرجع السيد السبزواري، “مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام“. الجزء الأول منها كما بقية كتب الفقه الإمامي تبدأ بمبحث “الإجتهاد والتقليد“. ومعروفٌ تاريخياً أن مبحث الاجتهاد والتقليد كان في السابق بحثاً أصولياً، أو على الأقل إن لم تسعه الضابطة للبحث الأصولي فإنه كان ملحقاً في أواخر الكتب الأصولية، ثم تم نقله من إلى أوائل الكتب الفقهية. ربما حدث ذلك في منتصف التاسع عشر الميلادي. وعلى الرغم القدرة العالية على تبسيط مسائل هذا الباب فقهياً لعامة الناس وتداولهم له ومعرفتهم لتفاصيله إلا أنه على المستوى الأصولي أو الاستدلالي يعتبر من الأبواب العميقة جداً. وعمق أي مبحث علمي تارة يكون لعوامل ذاتية في نفس المبحث، وأخرى لعوامل خارجية صنعها كاتبوه. وشاءت الأقدار لهذا الباب أن يحظى بالفضيلتين! فهو بذاته بحث عميق تتداخل فيه مقولات أصولية فلسفية عميقة، وقد كُتب ـ كما كُتبت عموم كتب الأصول الإمامية ـ بلغة اصطلاحية معقدة. (ربما كثير من الذي كتبوا علم الأصول الإمامي لم يكتبوه ليقرأه الناس بل كتبوه ليدّرسوه بأنفسهم لمن يريد التعلم، ومع مرور الزمن أضحى هذا العلم طلمساً لا يعرف تفكيكه إلا أهله مما أفقده قدرة التواصل مع المدارس الفكرية الأخرى).

السؤال الرئيس لهذا الباب: ما هو موقف الإنسان الواعي (المكلف) تجاه الله سبحانه وتعالى؟ وعلى الرغم من بساطة هذا السؤال (وأعمق الأسئلة ما كانت بسيطة!) إلا أنه ما تبدأ بتحليله وتخطو الخطوات الأولى لمحاولة الإجابة عنه ستجد نفسك تُبْحر في محيط متلاطم من أمواج الفكر والآراء والنظريات .. (وأنّا لك آنذاك بسفينة النجاة!) ففي هذا المبحث لا بد من استدعاء مجمل الصفات الإلهية، وفي الوقت نفسه لا بد من تحديد مجمل صفات “الإنسان“، وبالتناسب بينهما لا بد من تحديد خصائص الحكم الشرعي، ثم سبر أغوار العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة. فهل لله حكم تجاه الإنسان؟ وما هي طبيعته؟ وهل الإنسان قادر على وعي هذا الحكم ومعرفته؟ وكيف ذلك؟ وإلى أي مستوى؟ وهل موقف الإنسان (المكلف) واحد أم أن “الإنسان” أنواع؟ هنا وفي هذا المبحث يستدعي الباحث (أي كان فقيها أم أصولياً) جملة من المقولات الكلامية وبعض الأفكار الفلسفية، ويعجنهما بنظريات أصولية لينتهي إلى تقعيد أحكام فقهية. من خلف هذا الركام الفكري الهائل تبرز “مقولات العقل العملي” بختلف مشاربها لتكون سيدة الموقف في كثير من التفاصيل. وفي مثل هذا البحث تحديداً طوّر فقهاء وأصوليي ومتكلمي الإمامية بحوثاً فلسفية عميقة ترتبط يقضايا “العقل العملي”، مما جعل مثل هذا الباب (باب العقل العملي) طرياً مليئاً بنداوة الجهود الفكرية للعلماء.

إلا أن ثمة تطورات حدثت في الآونة الأخيرة استدعت تغيرات معينة في تناول الموضوع. أبرز هذه التطورات؛ أن مقولة “العقل العملي” التي اهتزت بشكل عنيف في الغرب قبل بضع قرون، وجدت لها طريقاً إلى العقل الشيعي الإمامي، خصوصاً بعد أن بات الفكر الإمامي “شأناً عاماً” بانتصاره في مشروع الدولة، وباتت “الشريعة” بآلياتها وأسسها على محك التجربة الميدانية في عالم “حديث”. فبرزت على الساحة الفكرية مقولات تمتحن “أسس” العقل العملي، وفي امتحانها تستفيد من آلة عملاقة في تهديمه. أما الاستجابات فكانت متباينة؛ بعضها قبل الهزيمة، وبعضها حاول الحفاظ على ما يمكن المحافظة عليه في معركة شرسة، والبعض الآخر خرج من المواجهة أقوى بنياناً مما كان وأوسع أرضاً مما كان عليه. وفي مطلق الأحوال؛ على المستوى التدويني بات هذا الباب (العقل العملي) يشهد استقلالاً تدوينياً تُلملم فيه البحوث والمقولات، وتمنهج لتكون أشبه بـ”حقل” علمي مستقل يرفد حقولاً أخرى. فقد كتب ـ على سبيل المثال لا الاحصاء ـ السيد عمار أبو رغيف ثلاثة كتب “دسمة” في الموضوع، وهي: “الأسس العقلية: دراسة للمنطقات العقلية في بحث علم أصول الفقه” مكون من جزئين، و”الحكمة العملية: دراسات في النظرية وآثارها التطبيقية“. كما كتب الشيخ محمد السند “العقل العملي” وهو بحث مفصل في الموضوع. وكتب أيضاً المرجع المدرسي الجزء الثالث من موسوعة التشريع الإسلامي، وهو يتناول في قسم كبيره منه شؤون الحكمة العملية. كما أن الشيخ علي حب الله في كتابه “دراسات في فلسفة أصول الفقه والشريعة ومقاصد الشريعة” أولى البحث اهتماماً ملحوظاً. وهناك العديد من البحوث التي أولت قضية التحسين والتقبيح العقليين رسائل مستقلة.

المتغير الجديد الآخر، والذي يمكن اعتباره القادم في هذه الفترة، هو أن المخزن الفكري لنقد العقل العملي، أي الغرب، قد أعاد إحياء مقولات العقل العملي وطوّر عليها مفاهيم تدعمها وتشد من أزرها. يترافق هذا التطور مع قدرة عالية في تناقل المعلومات، تجعل من السهل والسريع تواصل هذه الأفكار مع عالمنا. وفي الوقت نفسه؛ يترافق هذا مع تغيرات بنيوية عميقة في عموم الوعي العربي وذلك بفضل “الثورات العربية” أو ما يعرف بـ”الربيع العربي” مع ما تحمله من أسئلة وتحديات. ويبقى السؤال: هل يمكننا استثمار مخزون هذا التراكم المعرفي في حقل “العقل العملي” (مع ما يعنيه هذا الحقل من رؤية كونية وأخلاقية وتشريعية قانونية) لتطوير صيغة أو نظرية لموضوع الدولة (مع ما يعينه هذا الموضوع من قضايا العدل والحقوق والتقدم) تتناسب وتجربتنا الخاصة؟ تلوح في الأفق عدة محاولات جادة في هذا الإطار؛ رصدها ودراستها بحاجة إلى وقفة أخرى!

قراءة في كتاب “تاريخ علم الأصول”

 

تاريخ علم الاصول

كنتُ قد نشرت دراسة سابقاً معنية بدراسة طرق التأريخ لعلم أصول الفقه الإمامي ومناهجه بعنوان “محاولات التَّأريخ لعلم أصول الفقه الإماميّ: قراءة نقدية للمنطلقات والمنهجية“. وحينذاك، كانت الدراسة معنية بالأدبيات العربية؛ فلم أتناول الأدبيات الفارسية أو الإنكليزية أو غيرها إلا في حدود المترجَم منها إلى العربية، على الرغم من الوفرة المتنامية في هاتين اللغتين فيما بخص الموضوع. وقد أشرت في تلك الدراسة إلى مقالة متميزة لمهدي علي بور باللغة الفارسية حاول خلالها إحصاء ما كتب في الموضوع، وها قد تم ترجمة كتابه ـ الأشمل من مجرد مقال ـ إلى اللغة العربية بعنوان “تاريخ علم الأصول” (ويبدو أنه كان مترجماً حين دراستي للموضوع لكني لم أطلع عليه).

في تلك الدراسة قسمت مناهج التأريخ لعلم أصول الفقه إلى صنفين عريضين، الأول: النظر إلى علم أصول الفقه كظاهرة علمية مغلقة الثاني: النظر إلى علم أصول الفقه كظاهرة إنسانية مركبة.

إذا جاز لي وضع عمل بور في أحد الصنفين، فإني أراه يقع في الصنف الأول الذي يؤرخ لعلم الأصول الإمامي على أنه دائرة علمية مغلقة على نفسها، وبالتالي فجوهر العناصر التي يلاحظها المؤرخ آنئذٍ هي العناصر الداخلية للعلم نفسه؛ كالنظريات والمسائل والتبويب … الخ. فعلى الرغم من الممارسة الواعية لبور في قيامه بالتأريخ؛ إذ أنه يعي تماماً أنه يقوم بعملية تأريخ لفكر أو علم، إلا أنه يتوقف لو قليلاً عند منهجيات تناول تاريخ الأفكار، وبالتالي تعامل بشكل لا شعوري مع هذا الحقل باعتباره حقلاً علمياً مغلقاً. فكانت النتيجة أن جهده الحقيقي انصب في محاولة زيادة الرصد للشخصيات، والنظريات، والمصنفات، وفي ضبط المراحل التاريخية للعلم. وقد وفق في الأول منهما، حيث أنه رصد أسماء كانت مغيبة سابقاً، وأحصى العديد من المصنفات وشروحاتها، وأعد جداول بيانية وخططات توضيحية. لكن منهجيته في رصد مراحل العلم ستكون ـ والحال هذه ـ غير موفقة لاقتصارها على العوامل الداخلية للعلم مستبعدة تماماً المحيط الخارجي للعلم والعلماء الأصوليين.

وفي مطلق الأحوال، فهو يرى أن علم أصول الفقه الإمامي مرّ بثمان مراحل، الأولى؛ وهي مرحلة التأسيس، من عصر أئمة الشيعة إلى أواخر ما يعرف بالغيبة الصغرى (أي في حدود 250 هـ)، الثانية، وهي مرحلة التوسع والتدوين الشامل، منذ عصر ما يعرف بالغيبة الكبرى إلى وفاة الشيخ الطوسي 460 هـ، الثالثة وهي مرحلة الركود الأولى، منذ وفاة الشيخ الطوسي إلى زمن ابن ادريس الحلي 598 هـ، الرابعة مرحلة التكامل، والتي تبدأ مع ابن ادريس الحلي وتنتهي زمن مع الشيخ البهائي زمن 1030هـ، الخامسة وهي مرحلة الركود الثانية، زمن ظهور الحركة الاخبارية إلى قبل بروز الوحيد البهبهاني، السادسة وهي مرحلة الانتعاش والتحولات العلمية، تبدأ مع الوحيد البهبهاني 1150 إلى قبيل الشيخ الأنصاري، السابعة وهي مرحلة التعمق في علم الاصول، منذ زمن الشيخ الأنصاري 1240هـ إلى العصر الحاضر، الثامنة مرحلة العصر الحاضر. في كل مرحلة كان يحاول المؤلف أن يقارن وضع علم الأصول الفقه الإمامي بنظيره السني، وفي رأيي أنه لم ينصفه وبقي على انطباع واحد يكرره بتكرار مقولة انسداد باب الاجتهاد وانحسار علم الاصول.

في تقييمه لوضع علم الأصول الإمامي المعاصر، توقف المؤلف عند جملة من الإشكاليات ومحاولات التجديد والتطوير. وقد وضع يده ـ فيما أظن ـ على أهم تحول واجه الفكر الشيعي المعاصر، وهو مسألة الدولة، إلا أنه لا يرى فيما قُدم حتى الآن في علم الأصول ما يفي بمتطلبات هذا التحول أو التحدي. لكن ما يلاحظ على رصد للجهود أنه اقتصر على جهود البيئة الإيرانية بعض العراقية، ولم يلتفت لجهود مدرسة كربلاء ولبنان والخليج.

وفي المحصلة، فإن الكتاب جهد مشكور وإضافة كمية لحقل علم “تاريخ علم الأصول”، ويصلح ـ مع بعض التحفظات ـ ككتاب تعليمي للمراحل الأولى في دراسة هذا العلم.

التدوين المعاصر والكشكول القديم

ـ 1 ـ

لا تسعفنا المعاجم العربية القديمة في تعريف كلمة “كشكول“، وتقول بعض المعاجم الحديثة أنها كلمة جاءتنا ـ فيما جاءنا ـ من بلاد فارس. ليس هذا بالجديد ولا الغريب إنما الخبرُ المهمُ هنا أن نعرف “الكشكول” كسلوك ثقافي.

من المعروف لمن قرأ تاريخ العرب أن “صناعة الكتابة” كانت فنّاً خاصاً؛ بحاجة إلى قليلٍ من التعلُم وكثير من المِراس؛ مما جعلها حكراً على طبقات معينة من المجتمع. وهي كأي فن، تبدأ بشكل معين، ثم تتطور إلى أشكال وأصناف وأنواع. فمن التراسل بين الملوك والأمراء، ومروراً بالكتب العلمية بتنوعاتها، وعطفاً على الشروح والتعليقات والمختصرات، وانتهاءً بالموسوعات العامة.

وكأيّ “فن” فإن الممارس له تنتابه خواطرٌ معينة، أو يُلهَم بعض الاجتهادات، أو قد يُصاب بالملل من مشقة العمل . . وفي كلها فهو يبحث عن متنفسٍ يروّح به عن نفسه، ويرفع عنها بعض التعب. وعادة ما يبحث المُمارِسُ عن “ترويحة” تكون من سنخ عمله. كذلك الحال مع العلماء؛ فحين كانت الخواطر تجول في أعماقهم؛ فإنهم كانوا يبحثون عن موضع لها قبل أن تغادر، وحين كانوا يلهمون إبداعات علمية معنية؛ فإنهم كانوا يحاولون تصْورَها على وَرَق، وحين كانوا يتعبون من إرهاق البحث وضناه؛ فإنهم كانوا “يتروّحون” بالكتابة “الخفيفة” علها تخفف ما هم فيه من تعب.

وهذا هو في الحقيقة “الكشكول”؛ صنفٌ من الكتابة دَرَجَ عليها العلماءُ والمثقفون القدامى، حيث كانوا يكتبون أموراً منوعة: بين حادثة طريفة، أو إلتفاتة علمية، أو خواطر فكرية بل هناك من كتب بعض “النكت” المضحكة في كشكوله.

blog

ـ 2 ـ

يحدثنا أهل الفهارس ـ ممن شغق بتدوين أسماء الكتب ومؤلفيها وما تحتوي ـ عن أنواع كثيرة من الكشاكيل راجت بين العلماء؛ ظريفةً في مُسمياتِها، وفي مضامينها أيضاً. فمن العلماء من اكتفى بتسمية كشكوله بـ”الكشكول”، وقد أحصى العلامة الطهراني ما يقارب الثلاثين مصنفاً تحت هذا العنوان، وهنالك من كان أكثر طرافة في اختياره لعنوان كشكوله؛ إذ جاءت بعض التسميات كالآتي: “أنيس العلماء“، “بحر اللئالي“، “جمع الشتات“، “الجعبة الغالية والجنة العالية“، “الرياض المزهرة“، “الزرابي المبثوثة“، “صندوق النفائس“، “غاية المطلوب لترويح القلوب“، “الحدائق الزاهرة“.

ولعل أشهر كشكولين في الوسط الديني هما: “كشكول” الشيخ البهائي ـ الشغوف بالعلوم الغريبة والأسفار المنوّع ـ، و”كشكول” الشيخ يوسف البحراني ـ زعيم الأخباريين؛ الذي انتهت في عصره موجة الحركة الأخبارية ـ لما يحتويانه من طرائف علمية، وقصص ممتعة، وخواطر مشوقة، ولعل شهرتهما ترجع لأنهما الأكثر طباعة وتداولاً بالمقارنة مع غيرهم.

ـ 3 ـ

مع أنفجار ثورة المعلومات، وتنامي فرص الإنسان في التعبير عن نفسه بحرية وبلا قيود، فإن “الكشكول القديم” أخذ لنفسه حلّة جديدة تمثلت بـ”المدونات” الحديثة “Blog” والتي يعود عمرها إلى حوالي الخمس عشرة سنة، لكن شهرتها وتحولها إلى أداة شعبية في متناول الجميع لربما يعود إلى بضع سنين تتراوح بين الخمسة إلى تسعة سنوات.

ارتداؤها لحلّة جديدة لم يقتصر على الشكل فقط بل تعدى ذلك إلى أمور أخرى كثيرة، فمن جهة: بات “الكشكول الحديث” لا يقتصر على الخواطر الدافئة، والملاحظات العلمية بل بات يعبّر عن “متنفس سياسي” ساخن، ومساحة للصراعات الاجتماعية والسياسية. كما أنه بات للبعض نافذة “للصراخ” تعبيراً عن كبت اجتماعي يمنعه من الحديث بصراحة عمّا يجول في خاطره، في حين أنه يعني للبعض “فرصة” للإبداع عندما ضاق المجتمع عن احتوائه، فترى المدونات الأدبية والشعرية، كما المدونات القصصية والروائية، أو العلمية والتكنولوجية.

من جهة أخرى: بات “الكشكول الحديث” لا يحتوي على الكلمات فقط بل صار من الضروري لصناعة النجاح في هذا “الفن” أن يحتوي على تصميمات رائعة، أو ملحقات فيديو، أو صور معبرة بل البعض يرفق معها ملفات صوتية.

enter-blog

ـ 4 ـ

لن يكون من السهل التنبؤ بمستقبل “الكشكول الحديث” وما سيخلفه من آثار على واقعنا المعاصر، لكن المؤكد أنه سيلعب دوراً حيوياً ومهماً ـ كما لعبه في السنوات السابقة ـ على مختلف الصعد الثقافية والإعلامية والاجتماعية والسياسية. وفي مطلق الأحوال فإنه فرصة كبيرة للإنسان اليوم لم تتوفر له في السابق ليعبر فيها عن نفسه وطموحاته وخواطره . . وإبداعاته أيضاً.

* * *

blogging

سأعتبر هذه التدوينة بمثابة ميثاق بين كاتب المدونة ومتابعيها، تبرر الولوج في هذا العالم؛عالم التدوين، وتضع الملامح العامة لمسارها، فهي لن تكون في موضوع واحد، ولن تكون بحثاً علمياً، ولا مشروعاً متكاملاً، كما أنها لا تنوي أن تنحصر في قضايا بلد محدد بل ستكون فضفاضة بقدر فضفاضية عالم المعلومات، مع المحاولة ـ قدر الإمكان ـ أن تكون مفيدةً.

لماذا الكهف؟

الأسطر القادمة تمثل بعض المبررات لتسمية هذه المدونة بـ”مدونة الكهف

ـ 1 ـ 

يحدثنا علماء الطبيعة، وتحديداً من اختص بعلم الكهوف والمغارات (سبْيولولجي Speleology)، عن أنواع عديدة من الكهوف، كما أنهم يُسهبون ـ بالتعاون مع علماء الجيولوجيا ـ في الحديث عن طرق تكونها وتشكلها، ويأخذهم الحديث جانباً عن طولها وعمقها وعرضها، وهي في كل الأحوال “قصة ممتعة”.

mellisani_cave_greece2

هنالك من الكهوف ما لا يوجد إلا في الأماكن الجبلية، باعتباره نتيجة طبيعة للتطور الجيولوجي في تلك المنطقة. وهنالك بعض الكهوف التي تتواجد متصلة بالبحر أو البحيرات، وأخرى تكون في محيط قريب للغابات والمناطق السهلية المخصبة. والمُلفت أن أغلب الكهوف تكون مغايرة لمحيطها، فلن يُحدّثك محيطُ الكهف ـ السهلي أو الجبلي أو البحري ـ عما فيه؛ قد يبعث ببعض الإشارات ويحرك بعض التنبآت لكنه لن يروي القصة كاملة. والميزة الأخرى؛ أن عملية تشكل الكهف تأخذ وقتاً طويلاً جداً يعد بآلاف السنين، كما تتطلب حركة عنيفة في الأرض مصحوبة بحرارة عالية، وممتزجة بعناصر المحيط . . عملية بالغة التعقيد والترَكُب.

ـ 2 ـ

على المستوى الإنساني، يُمثل الكهفُ بالنسبة للإنسان إحدى الوسائل التي استخدمها للاحتماء والسكنى؛ وذلك لما يحتوي عليه من إمكانية الاختفاء والتستر، والوقاية والتحصّن. فما إن يتصارع الإنسان مع الكائنات المحيطة به حتى تراه “أَوَى” إلى كهف يحميه، وما إن ضاقت عليه الأرض بما رحبت تجده يسكن الكهوف. ويطيل علماء الأنثروبولوجيا والأركيولوجيون الحديث عن علاقة الإنسان بالكهف؛ فمن رسوم وكتابات نقشتها سكان الكهوف، إلى أدوات ووسائل استعملوها، وانتهاءً بمخازن ورفوف وأسرّة صنعوها.

11386256-man-standing-in-front-of-a-cave-entrance

مُذاك مثّل الكهفُ علامةً رمزيةً في الوعي البشري، توحي إلى الاحتماء والعزلة، كما أنه محتوى الأسرار، وفي بعض الأحيان مخزن الثروات والكنوز.

ـ 3 ـ

منذ الصغر، وفي طريقنا إلى المدرسة، اعتدنا استماع آيات من القرآن الكريم، وما إن نصل المدرسة حتى نستمع مرة أخرى إلى آيات الذكر تتلى قُبَيْل موعد “الطابور” ـ كما نسميه في لهجتنا ـ، وقد اعتدنا سماع صوت أحد القراء الذي كان شجياً، إذ كان يتلو القرآن بنعومة وشجى، وبـ”لحن” جميل جداً. والمصادفة أن السورة التي كنا نستمع إليها آنذاك كانت سورة “الكهف”.

بمرور الوقت، ودوران حركة عجلة الزمن حدث لى ثمة ارتباط غريب مع هذه السورة الكريمة، فمن جهة كنت أعمل ناشطاً في مؤسسة شبابية عُرفت آنذاك باسم “مؤسسة الرقيم” ـ وللرقيم قصة مشار إليها في سورة الكهف ـ، ومن جهة أخرى تحمل هذه السورة دلالات ومعاني رمزية بالغة الجمال، فاسمها يحتوى دلالة بالغة، وتنوع قصصها يفتح الآفاق إلى عالم من الخيال والعِظة، وصورها البلاغية الرائعة، ناهيك عن معانيها، وفضلاً عن حركة إيقاعها الصوتي.

cave (1)

رمزية الكهف تثير الإنتباه إلى دلالتها في الاستعمال الديني، فالكثير من النصوص الدينية تستعمل هذه الكلمة؛ خصوص النصوص الروحية كالأدعية والمناجاة، أو التي تصف الرموز الدينية، ففي الدعاء المشهور للإمام الحسين (ع) في وادي عرفات نجده (ع) يجأر قائلاً: {أنت كهفي حين يعييني المذاهب في سعتها، وتضيق عليّ الأرض برحبها}، وفي نصوص آخرى: {َ يَا عُدَّتِي عِنْدَ الْعُدَدِ وَ يَا رَجَائِي وَ الْمُعْتَمَدُ وَ يَا كَهْفِي وَالسَّنَدُ وَيَا وَاحِدُ يَا أَحَد}، {يَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَيَا إِلَهِي وَيَا كَهْفِي وَيَا حِرْزِي وَ يَا قُوَّتِي وَيَا جَابِرِي وَيَا خَالِقِي وَيَا رَازِقِي‏}، {وَيَا كَهْفِي وَيَا كَنْزِي وَيَا ذُخْرِي وَيَا ذَخِيرَتِي‏}، {يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا كَهْفِي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي وَعَظُمَتْ هُمُومِي وَقَلَّ صَبْرِي وَضَعُفَتْ حِيلَتِي وَكَثُرَتْ فَاقَتِي‏}

كما أنها تستعمل في وصف الرفقة الطيبة التي يمكن الاعتماد عليها، إذ يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): {َالْإِخْوَانُ صِنْفَانِ إِخْوَانُ الثِّقَةِ وَإِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ، فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ: فَهُمُ الْكَهْفُ وَالْجَنَاحُ وَالْأَهْلُ وَالْمَال‏ِ}

ومن جميل ما يروي التاريخ أن الإمام الحسين بن علي عليه السلام، عندما استشهد في كربلاء وفُصل بين جسده ورأس، ووضع رأسه على الرمح، وسير به من كربلاء إلى الشام، كان الرأس الشريف آنذاك يردد آيات من سورة الكهف {أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا}

فكما يحمل الكهف الطبيعي في داخله الكثير من الأسرار، فإن الكهف في الإطار الديني يحمل مخزوناً دلالياً عميقاً . . يشير إلى الحماية الروحية، والثبات العقلي، والسلوك الرشيد، وهي كلها عنوان للرحمة المنهمرة بانتشار على البشرية.

ـ 4 ـ

بإضافة معطيات العلم الحديث عن الكهوف، ومزجها كدلالات رمزية للمحتوى الديني لهذه الكلمة، وبالنظر إلى واقع عصر المعلومات وتدافع الأفكار . . تتبلور صورة رمزية للـ”كهف” توحي بحال المدونة وهمومها.

لهذه المبررات منفصلة ومجتمعة كان اختياري للـ”كهف” كعنوان للتدوين في عالمنا اليوم.

لكن في الوقت ذاته يثير هذا العنوان قلقاً آخر، لما قد يحتويه من “احتكار للحقيقة” أو “مزايدة” في البضاعة المزجاة هنا . . ولهذا لا بد من وقفات تدوينية للحديث عن “الحقيقة”

آمل أن نوفق للحديث عنها في قادم التدوينات . . .

رابط

<a href="السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية 1501 - 1576السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية 1501 – 1576 by علي إبراهيم درويش
My rating: 3 of 5 stars

هذا الكتاب يعتبر الاحدث مما كتب عن الدولة الصفوية عربياً، فهو صادر في بداية هذا العام 2013. ويأتي في سياق تنامي البحوث عن هذه الحقبة، إذ أن حقل “الدولة الصفوية” يشهد انجذاباً ملحوظاً إن على مستوى الكتابة العربية أم الإنكليزية. ولهذا أسباب عديدة.

يقع الكتاب في ضمن مقدمة وخاتمة وملاحق وتسعة فصول. إلا أنه يمكن تقسم الكتاب إلى ثلاثة دوائرة رئيسية، 1)البحث التاريخي للدولة الصفوية جغرافياً وسياسياً، 2) البحث الشكلي للدولة الصفوية والذي يتناول هياكلها الإدارية والاقتصادية، 3) البحث الإشكالي المعرفي الذي تناول علاقة الدين؛ وتحديداً المذهب الشيعي، بالدولة.

الدائرة الأولى تندرج فيهاالفصول الأربعة الأولى (1- الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي ما قبل الدولة الصفوية. 2- نشأة الدولة الصفوية. 3- الدولة الصفوية وجوارها (1). 4- الدولة الصفوية وجوارها(2)).

وقد وفق المؤلف في هذه الفصول الأربعة في سرد الحبكة التاريخية لهذه العناوين، خصوصاً إضاءاته للتاريخ القريب جداً من نشوء الدولة الصفوية، بل للحضن السياسي والاجتماعي للحركة الصفوية كطريقة صوفية في ظل دولتي الآق قويونلوا والقرا قويونلوا. ولعل مرجع هذا التوفيق هو قدرة المؤلف على ثلاثة لغات هي العربية والفارسية والإنكليزية، مما أتاح له فرصة الإطلاع على مصادر متوفرة بهذه اللغات، وخصوصاً الإنكليزية منها والتي اعتمد بشكل كبير فيها على الباحث المتخصص بالصفوية سافوري (Roger Savory)، وكذلك على موسوعة جامعة كيمبرج لتاريخ إيران، التي تعتبر جهد ثري جداً في هذا المجال. نعم، كان ينقص المؤلف اللغة التركية التي تعتبر مصدراً مهماً لهذه الفترة، فعلى الرغم من اعتماد المؤلف لبعض الترجمات لكنها غير كافية لاستكمال المشهد.

إلا أن المؤلف لم يوفي الحركة الصفوية كطريقة صوفية حقها من البحث والتعريف والمقارنة مع مثيلاتها في تلك الفترة، كما لم يوضح هرمها الطريقي (القيادي) واهم مبادئها المميزة عن غيرها. ولعل مرجع هذا إلى ضعف المؤلف في مجال الدراسات الدينية.

أما الدائرة الثانية فهي التي تضمن الفصلين الخامس والسادس، (5- الدولة الصفوية: التنظيم الإداري. 6- الدولة الصفوية: التنظيم الاقتصادي والمالي). ومرة أخرى أيضاًفقدوفق الكاتب في هذه الفصول بنسبة كبيرة، وذلك في عرض المناصب الإدراية للدولة وسياسة التنصيب فيها، وتوزعها العرقي والديني، دور كل منصب، والتجاذبات السياسية فيها. ومرجع ذلك مرة أخرى أيضاً لاستناده إلى البحوث المتراكمة في هذا الحقل.

أما الدائرة الثالثة فقد تشملت الفصول السابع والثامن والتاسع (7- الصفويون والدين. 8- دور الفقيه في الدولة الصفوية. 9- العلاقة بين الفقيه والشاه) وللأسف أقول أن المؤلف في هذه الفصول لم يحالف التوفيق بنسبة كبيرة جداً. فعلى الرغم من محاولة ربط المجال السياسي والاجتماعي بالمجال الديني في دراسة علاقة الدولة الصفوية بالدين، إلا أنه أظهر فقراً كبيراً جداً في استيعاب مجال الدراسات الإسلامية وتحديداً الدراسات الشيعية. لذا فإن هذه الفصول فيها الكثير من التكرار والخروج عن الموضوع، ناهيك عن سوء فهم مفاهيم أولية لأي مشتغل في حقل الدراسات الشيعية، كمفهوم “نيابة الإمام”، و”الأحديث الشيعية” و “الأخبارية والأصولية”، والتي في الواقع أوقعت الكاتب في تنظيرات مغلوطة، وربط لأمور لا ربط بينها. ولعل مرجع ذلك عدم تواصل الباحث مع المنجز العلمي لحقل الدراسات الشيعية سواء منه المكتوب بالعربي أو الإنكليزي أو الفارسي، خصوصاً المتعلق بالفترة الصفوية. فقد غابت عن مصادر الباحث جهود علمية دقيقة ومشكروة لهذه الحقبة، وتتصل بجوهر بحثه، لمؤلفات جودت القزويني حول تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية، وعلي فياض، وتوفيق السيف، والشيخ علي المهاجر. كذلك مؤلفات Anderw Newman عن الدولة الصفوية، وكتاب أبيساب “تحول بلاد فارس” (Converting Persia) والذي يتناول تحديداًدور علماء جبل عامل في الدولة الصفوية.

هذا القصور من الكاتب جعل من الفصول الثلاثة الأخيرة، وهي جوهر الكتاب، باهتة وغير مؤسسة، وليس فيها نظري تحليلية. كما أنها تفتقر للتفاصيل المعلوماتية وعلى قطيعة من التراكم العلمي في هذا الحقل.

يبقى الكتاب في فصوله الستة الأولى فرصة جيدة للقارئ العربي للإطلاع على خلاصة المصادر الإنكليزية والفارسية فيما يرتبط بالدولة الصفوية على المستوى التاريخي والإداري فقط. أما على إشكالية الدين والدولة في الفترة الصفوية فالكتاب محدود في تقديم رؤية جديدة أو تفصيلية فيها.

View all my reviews ” title=”عرض لكتاب “السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية””>عرض لكتاب “السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية”

كتاب “التعددية الدينية في فلسفة جون هيك؛ المرتكزات المعرفية واللاهوتية”

للمهتمين بقضايا فلسفة الدين

تجدون في هذه التدونية كتاباً عن فكر المتكلم المسيحي المشهور جون هيك “التعددية الدينية في فلسفة جون هيك. المرتكزات المعرفية “واللاهوتية” يمكنكم تحميله.

تمنياتي لكم بقراءة ممتعة ومفيدة

قصتي مع “كتاب” قديم

ليس كل كلام بحاجة إلى مقدمة، بعض الكلام يقدّم نفسه بلا تمهيد، والكلمات التالية من هذا النوع من الكلام . .!

-١-

بينما أقلّب التغريدات بتويتر وهي مشحونة بالأحداث السياسية، وقعت عيناي على تغريدة أعادت لي ذكريات جميلة تربو على الخمس عشر سنة

-٢ـ

تلك التغريدة كانت من شبكة الفكر المعنية بالكتب الالكترونية، حيث وجدتها قد حوّلت أول كٌتيب كتبه في حياتي إلى كتاب إلكتروني

-٣-

الكتيب بعنوان “خطى نحو مجتمع قارئ

-٤-

كانت التجربة بالنسبة لي تجربة عفوية، انطلقت من عشق للقراءة، ورغبة بالإنجاز، محمومة بحماس الشباب

-٥-

ولا أزال أتذكر كل تفاصيلها، من ولادة الفكرة، مروراً بظروف تأليفها، وإنتهاءً بطباعة الكتاب ونشره. وسأرويها هنا.

-٦-

كانت البدايات عندما توجهت إلى العمل الشبابي الديني، وقد كانت تلمع أمامي قدوات دينية، كنت أراها مثالاً يحتذى به، وعندما كنت أسأل والدي عنها

-٧-

وعن سر تميزها، كان دائماً ما كان يقول لي “كثرة القراءة“. وفي تلك الفترة صادف أن نظمت المؤسسة الشبابية التي كنت أنتظم بها دورة صيفية ثقافية.

-٨-

كانت إحدى مواد الدورة عن “حب القراءة” وكان يلقيها د. سليمان الخضاري  ‎@Alkhadhari‏ بأسلوبه الرائع والجميل، وكان لها الأثر الكبير عليّ.

-٩-

استشرت المرحوم السيد محمد رضا الشيرازي عن أفضل الكتب لقراءتها، فأوصاني بكتب آية السيد هادي المدرّسي، وقال إنها كتب شبابية.

-١٠-

فصرت أقضي من الليل ثلاثة ساعات في القراءة في أجواء الصيف، وشيئا فشيئاً نَمَتْ عندي مكتبة خاصة، وكتبٌ صارت تربطني بهم علاقة حميمة.

-١٢-

بمرور الأيام، صارت القراءة بالنسبة لي إدمان، أبذله عليه أغلب مصروفي الأسبوعي، وأقضي كثيراً من وقتي فيها.

-١٣-

حتى صار الأصدقاء عند كل لقاء جماعي شبابي مع شخصية فكرية، يبنبؤون بضحكٍ عما سأسأل عنه وهو “كيف يُمَنْهج الإنسان قراءته؟”

-١٤-

ثم كانت بداية فكرة تأليف الكتيب عندما قرأت عدة كتب عن موضوع علاقة القراءة بالمجتمعات العربية، ولا أنسى مصدرين أساسيين.

-١٥-

الأول: مجلة الكلمة العدد ٢١، والذي خصص لموضوع القراءة في المجتمعات العربية، والثاني: كتاب أ. حسن حمادة “أمة إقرأ لا تقرأ

-١٦-

وفعلاً عزمت على كتابة الكتيب، فبدأت بخطة القراءة في الموضوع لمدة شهرين، على أن أبدأ التأليف في سوريا، حيث كنت سأذهب للدراسة الصيفية هناك في الحوزة

-١٧-

وفعلاً، ما إن وصلت، وتهيت ظروف السكن في بيت صديقي العزيز الشيخ هاني الحكيم @H_ALHAKEEM18، حتى بدأت الكتابة.

-١٨-

وفي غضون أسبوع كنت قد انتهيت من الكتيب، خصوصا أن هذا الأسبوع كانت الدراسة بعدُ لم تبدأ، وساعدني على ذلك الإعداد السابق للكتابة.

-١٩-

رجعت إلى الكويت بعد قضاء قرابة الثلاثة أشهر في سوريا، وكنت أحمل فيما أحمل في حقيبة العودة كراس صغير يحتوي على ما كتبته هناك.

-٢٠-

ما إن عدت إلى الكويت حتى انشغلت بالدراسة والعمل الشبابي، وظلت تلك الأوراق مخزونة في الأدراج، أعود إليها حينا وأنركهها حينا أخرى

-٢١-

فعزمت بعد حين على أنجاز الكتيب والإنتهاء منه، مع إضافة بعض الإحصائيات الجديدة، خصوصا تلك المتعلقة بمعرض الكتاب الكويتي.

-٢٢-

وللحصول على الإحصائيات كنت بحاجة إلى أرشيف صحفي، فلم أجد ملاذا إلا بإعانة الأستاذ فاخر السلطان  ‎@fakheralsultan‏ بإتاحة الدخول لأرشيف جريدة الوطن الكويتية

-٢٣-

وفعلاً حصلت على ما كنت أبحث عنه من معلومات. ثم قال ابن العم حسين يحيى البلوشي بطباعة الكتيب على الكمبيوتر.

-٢٤-

بعد ذلك قام الأستاذ السيد حسن الحسن  ‎@Alsaid_hassan‏ بإخراج الكتيب، وإبداء الملاحظات. كما راجع الكتيب الأستاذ حسن العطار  ‎@Hasan_alattar‏

-٢٥-

هنا بدأت الأزمة المالية، فمن أين سأجد المال الكافي لطباعة الكتيب، خصوصاً أن التأليف صنعة الفقراء في العالم العربي وليست صنعة الأغنياء

-٢٦-

اقترح الوالد أن أبدأ بالحديث مع أخوالي وخالاتي من جهة، وعماتي وأعمامي من جهة أخرى، فكل يساهم بقدره لإنجاز التكلفة التي كانت تقريباً 550 ديناراً كويتياً

-٢٧-

 وفعلا حصلت على قرابة الـ ١٨٠ دينارا من مساهمات الأهل. إلا ان المبلغ لم يكمل، حتى جاء أصغر أخوالي، الأستاذ طارق الحبيب، وعرض عليّ مساهمة سخية.

-٢٨-

وهو أن يتكفل ببقية المبلغ، وينشر الكتيب في مكتبات المدارس، ويوصل نسخة منه لوزير التربية. وفعلا، فقد وزّع الكتيب في المكتبات، ووصل للوزير أيضاً

-٢٩-

وجاءتني رسالة تقدير من الوزير، ومن ناظر المدرسة آنذاك. وفعلاً فقد انتشر الكتيب على مستوى لا بأس به من الإنتشار في الكويت.

-٣٠-

الآن وكلما رأيت الكتيب رأيت فيه المحاولة الأولى بما فيها من البراءة والأخطاء. واستعدت الذاكرة بما فيها من التحديات والصعاب ومتعتة الإنجاز

-٣١-

هذه كانت قصة تأليف هذا الكتيب ودمتم سالمين ‎

خطى نحو مجتمع قارئ

لتحميل الكتاب إضغط خطى نحو مجتمع قارئ