العقل العملي، الفكر الأصولي . . والجدل المعاصر؛ قراءة مختصرة لمشهد

المرة الأولى التي وجدت نفسي أقف بجدية أمام ما يعرف ببحث “العقل العملي” كانت حين كنت أدرس في الحوزة العلمية في سوريا، وقد كنت آنذاك ملتزماً بمباحثة يومية مع أخي وصديقي الحبيب الشيخ هاني الحكيم. كانت مادة المباحثة هي الجزء الأولى من الموسوعة الفقهية للمرجع السيد السبزواري، “مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام“. الجزء الأول منها كما بقية كتب الفقه الإمامي تبدأ بمبحث “الإجتهاد والتقليد“. ومعروفٌ تاريخياً أن مبحث الاجتهاد والتقليد كان في السابق بحثاً أصولياً، أو على الأقل إن لم تسعه الضابطة للبحث الأصولي فإنه كان ملحقاً في أواخر الكتب الأصولية، ثم تم نقله من إلى أوائل الكتب الفقهية. ربما حدث ذلك في منتصف التاسع عشر الميلادي. وعلى الرغم القدرة العالية على تبسيط مسائل هذا الباب فقهياً لعامة الناس وتداولهم له ومعرفتهم لتفاصيله إلا أنه على المستوى الأصولي أو الاستدلالي يعتبر من الأبواب العميقة جداً. وعمق أي مبحث علمي تارة يكون لعوامل ذاتية في نفس المبحث، وأخرى لعوامل خارجية صنعها كاتبوه. وشاءت الأقدار لهذا الباب أن يحظى بالفضيلتين! فهو بذاته بحث عميق تتداخل فيه مقولات أصولية فلسفية عميقة، وقد كُتب ـ كما كُتبت عموم كتب الأصول الإمامية ـ بلغة اصطلاحية معقدة. (ربما كثير من الذي كتبوا علم الأصول الإمامي لم يكتبوه ليقرأه الناس بل كتبوه ليدّرسوه بأنفسهم لمن يريد التعلم، ومع مرور الزمن أضحى هذا العلم طلمساً لا يعرف تفكيكه إلا أهله مما أفقده قدرة التواصل مع المدارس الفكرية الأخرى).

السؤال الرئيس لهذا الباب: ما هو موقف الإنسان الواعي (المكلف) تجاه الله سبحانه وتعالى؟ وعلى الرغم من بساطة هذا السؤال (وأعمق الأسئلة ما كانت بسيطة!) إلا أنه ما تبدأ بتحليله وتخطو الخطوات الأولى لمحاولة الإجابة عنه ستجد نفسك تُبْحر في محيط متلاطم من أمواج الفكر والآراء والنظريات .. (وأنّا لك آنذاك بسفينة النجاة!) ففي هذا المبحث لا بد من استدعاء مجمل الصفات الإلهية، وفي الوقت نفسه لا بد من تحديد مجمل صفات “الإنسان“، وبالتناسب بينهما لا بد من تحديد خصائص الحكم الشرعي، ثم سبر أغوار العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة. فهل لله حكم تجاه الإنسان؟ وما هي طبيعته؟ وهل الإنسان قادر على وعي هذا الحكم ومعرفته؟ وكيف ذلك؟ وإلى أي مستوى؟ وهل موقف الإنسان (المكلف) واحد أم أن “الإنسان” أنواع؟ هنا وفي هذا المبحث يستدعي الباحث (أي كان فقيها أم أصولياً) جملة من المقولات الكلامية وبعض الأفكار الفلسفية، ويعجنهما بنظريات أصولية لينتهي إلى تقعيد أحكام فقهية. من خلف هذا الركام الفكري الهائل تبرز “مقولات العقل العملي” بختلف مشاربها لتكون سيدة الموقف في كثير من التفاصيل. وفي مثل هذا البحث تحديداً طوّر فقهاء وأصوليي ومتكلمي الإمامية بحوثاً فلسفية عميقة ترتبط يقضايا “العقل العملي”، مما جعل مثل هذا الباب (باب العقل العملي) طرياً مليئاً بنداوة الجهود الفكرية للعلماء.

إلا أن ثمة تطورات حدثت في الآونة الأخيرة استدعت تغيرات معينة في تناول الموضوع. أبرز هذه التطورات؛ أن مقولة “العقل العملي” التي اهتزت بشكل عنيف في الغرب قبل بضع قرون، وجدت لها طريقاً إلى العقل الشيعي الإمامي، خصوصاً بعد أن بات الفكر الإمامي “شأناً عاماً” بانتصاره في مشروع الدولة، وباتت “الشريعة” بآلياتها وأسسها على محك التجربة الميدانية في عالم “حديث”. فبرزت على الساحة الفكرية مقولات تمتحن “أسس” العقل العملي، وفي امتحانها تستفيد من آلة عملاقة في تهديمه. أما الاستجابات فكانت متباينة؛ بعضها قبل الهزيمة، وبعضها حاول الحفاظ على ما يمكن المحافظة عليه في معركة شرسة، والبعض الآخر خرج من المواجهة أقوى بنياناً مما كان وأوسع أرضاً مما كان عليه. وفي مطلق الأحوال؛ على المستوى التدويني بات هذا الباب (العقل العملي) يشهد استقلالاً تدوينياً تُلملم فيه البحوث والمقولات، وتمنهج لتكون أشبه بـ”حقل” علمي مستقل يرفد حقولاً أخرى. فقد كتب ـ على سبيل المثال لا الاحصاء ـ السيد عمار أبو رغيف ثلاثة كتب “دسمة” في الموضوع، وهي: “الأسس العقلية: دراسة للمنطقات العقلية في بحث علم أصول الفقه” مكون من جزئين، و”الحكمة العملية: دراسات في النظرية وآثارها التطبيقية“. كما كتب الشيخ محمد السند “العقل العملي” وهو بحث مفصل في الموضوع. وكتب أيضاً المرجع المدرسي الجزء الثالث من موسوعة التشريع الإسلامي، وهو يتناول في قسم كبيره منه شؤون الحكمة العملية. كما أن الشيخ علي حب الله في كتابه “دراسات في فلسفة أصول الفقه والشريعة ومقاصد الشريعة” أولى البحث اهتماماً ملحوظاً. وهناك العديد من البحوث التي أولت قضية التحسين والتقبيح العقليين رسائل مستقلة.

المتغير الجديد الآخر، والذي يمكن اعتباره القادم في هذه الفترة، هو أن المخزن الفكري لنقد العقل العملي، أي الغرب، قد أعاد إحياء مقولات العقل العملي وطوّر عليها مفاهيم تدعمها وتشد من أزرها. يترافق هذا التطور مع قدرة عالية في تناقل المعلومات، تجعل من السهل والسريع تواصل هذه الأفكار مع عالمنا. وفي الوقت نفسه؛ يترافق هذا مع تغيرات بنيوية عميقة في عموم الوعي العربي وذلك بفضل “الثورات العربية” أو ما يعرف بـ”الربيع العربي” مع ما تحمله من أسئلة وتحديات. ويبقى السؤال: هل يمكننا استثمار مخزون هذا التراكم المعرفي في حقل “العقل العملي” (مع ما يعنيه هذا الحقل من رؤية كونية وأخلاقية وتشريعية قانونية) لتطوير صيغة أو نظرية لموضوع الدولة (مع ما يعينه هذا الموضوع من قضايا العدل والحقوق والتقدم) تتناسب وتجربتنا الخاصة؟ تلوح في الأفق عدة محاولات جادة في هذا الإطار؛ رصدها ودراستها بحاجة إلى وقفة أخرى!

قراءة في كتاب “تاريخ علم الأصول”

 

تاريخ علم الاصول

كنتُ قد نشرت دراسة سابقاً معنية بدراسة طرق التأريخ لعلم أصول الفقه الإمامي ومناهجه بعنوان “محاولات التَّأريخ لعلم أصول الفقه الإماميّ: قراءة نقدية للمنطلقات والمنهجية“. وحينذاك، كانت الدراسة معنية بالأدبيات العربية؛ فلم أتناول الأدبيات الفارسية أو الإنكليزية أو غيرها إلا في حدود المترجَم منها إلى العربية، على الرغم من الوفرة المتنامية في هاتين اللغتين فيما بخص الموضوع. وقد أشرت في تلك الدراسة إلى مقالة متميزة لمهدي علي بور باللغة الفارسية حاول خلالها إحصاء ما كتب في الموضوع، وها قد تم ترجمة كتابه ـ الأشمل من مجرد مقال ـ إلى اللغة العربية بعنوان “تاريخ علم الأصول” (ويبدو أنه كان مترجماً حين دراستي للموضوع لكني لم أطلع عليه).

في تلك الدراسة قسمت مناهج التأريخ لعلم أصول الفقه إلى صنفين عريضين، الأول: النظر إلى علم أصول الفقه كظاهرة علمية مغلقة الثاني: النظر إلى علم أصول الفقه كظاهرة إنسانية مركبة.

إذا جاز لي وضع عمل بور في أحد الصنفين، فإني أراه يقع في الصنف الأول الذي يؤرخ لعلم الأصول الإمامي على أنه دائرة علمية مغلقة على نفسها، وبالتالي فجوهر العناصر التي يلاحظها المؤرخ آنئذٍ هي العناصر الداخلية للعلم نفسه؛ كالنظريات والمسائل والتبويب … الخ. فعلى الرغم من الممارسة الواعية لبور في قيامه بالتأريخ؛ إذ أنه يعي تماماً أنه يقوم بعملية تأريخ لفكر أو علم، إلا أنه يتوقف لو قليلاً عند منهجيات تناول تاريخ الأفكار، وبالتالي تعامل بشكل لا شعوري مع هذا الحقل باعتباره حقلاً علمياً مغلقاً. فكانت النتيجة أن جهده الحقيقي انصب في محاولة زيادة الرصد للشخصيات، والنظريات، والمصنفات، وفي ضبط المراحل التاريخية للعلم. وقد وفق في الأول منهما، حيث أنه رصد أسماء كانت مغيبة سابقاً، وأحصى العديد من المصنفات وشروحاتها، وأعد جداول بيانية وخططات توضيحية. لكن منهجيته في رصد مراحل العلم ستكون ـ والحال هذه ـ غير موفقة لاقتصارها على العوامل الداخلية للعلم مستبعدة تماماً المحيط الخارجي للعلم والعلماء الأصوليين.

وفي مطلق الأحوال، فهو يرى أن علم أصول الفقه الإمامي مرّ بثمان مراحل، الأولى؛ وهي مرحلة التأسيس، من عصر أئمة الشيعة إلى أواخر ما يعرف بالغيبة الصغرى (أي في حدود 250 هـ)، الثانية، وهي مرحلة التوسع والتدوين الشامل، منذ عصر ما يعرف بالغيبة الكبرى إلى وفاة الشيخ الطوسي 460 هـ، الثالثة وهي مرحلة الركود الأولى، منذ وفاة الشيخ الطوسي إلى زمن ابن ادريس الحلي 598 هـ، الرابعة مرحلة التكامل، والتي تبدأ مع ابن ادريس الحلي وتنتهي زمن مع الشيخ البهائي زمن 1030هـ، الخامسة وهي مرحلة الركود الثانية، زمن ظهور الحركة الاخبارية إلى قبل بروز الوحيد البهبهاني، السادسة وهي مرحلة الانتعاش والتحولات العلمية، تبدأ مع الوحيد البهبهاني 1150 إلى قبيل الشيخ الأنصاري، السابعة وهي مرحلة التعمق في علم الاصول، منذ زمن الشيخ الأنصاري 1240هـ إلى العصر الحاضر، الثامنة مرحلة العصر الحاضر. في كل مرحلة كان يحاول المؤلف أن يقارن وضع علم الأصول الفقه الإمامي بنظيره السني، وفي رأيي أنه لم ينصفه وبقي على انطباع واحد يكرره بتكرار مقولة انسداد باب الاجتهاد وانحسار علم الاصول.

في تقييمه لوضع علم الأصول الإمامي المعاصر، توقف المؤلف عند جملة من الإشكاليات ومحاولات التجديد والتطوير. وقد وضع يده ـ فيما أظن ـ على أهم تحول واجه الفكر الشيعي المعاصر، وهو مسألة الدولة، إلا أنه لا يرى فيما قُدم حتى الآن في علم الأصول ما يفي بمتطلبات هذا التحول أو التحدي. لكن ما يلاحظ على رصد للجهود أنه اقتصر على جهود البيئة الإيرانية بعض العراقية، ولم يلتفت لجهود مدرسة كربلاء ولبنان والخليج.

وفي المحصلة، فإن الكتاب جهد مشكور وإضافة كمية لحقل علم “تاريخ علم الأصول”، ويصلح ـ مع بعض التحفظات ـ ككتاب تعليمي للمراحل الأولى في دراسة هذا العلم.

التدوين المعاصر والكشكول القديم

ـ 1 ـ

لا تسعفنا المعاجم العربية القديمة في تعريف كلمة “كشكول“، وتقول بعض المعاجم الحديثة أنها كلمة جاءتنا ـ فيما جاءنا ـ من بلاد فارس. ليس هذا بالجديد ولا الغريب إنما الخبرُ المهمُ هنا أن نعرف “الكشكول” كسلوك ثقافي.

من المعروف لمن قرأ تاريخ العرب أن “صناعة الكتابة” كانت فنّاً خاصاً؛ بحاجة إلى قليلٍ من التعلُم وكثير من المِراس؛ مما جعلها حكراً على طبقات معينة من المجتمع. وهي كأي فن، تبدأ بشكل معين، ثم تتطور إلى أشكال وأصناف وأنواع. فمن التراسل بين الملوك والأمراء، ومروراً بالكتب العلمية بتنوعاتها، وعطفاً على الشروح والتعليقات والمختصرات، وانتهاءً بالموسوعات العامة.

وكأيّ “فن” فإن الممارس له تنتابه خواطرٌ معينة، أو يُلهَم بعض الاجتهادات، أو قد يُصاب بالملل من مشقة العمل . . وفي كلها فهو يبحث عن متنفسٍ يروّح به عن نفسه، ويرفع عنها بعض التعب. وعادة ما يبحث المُمارِسُ عن “ترويحة” تكون من سنخ عمله. كذلك الحال مع العلماء؛ فحين كانت الخواطر تجول في أعماقهم؛ فإنهم كانوا يبحثون عن موضع لها قبل أن تغادر، وحين كانوا يلهمون إبداعات علمية معنية؛ فإنهم كانوا يحاولون تصْورَها على وَرَق، وحين كانوا يتعبون من إرهاق البحث وضناه؛ فإنهم كانوا “يتروّحون” بالكتابة “الخفيفة” علها تخفف ما هم فيه من تعب.

وهذا هو في الحقيقة “الكشكول”؛ صنفٌ من الكتابة دَرَجَ عليها العلماءُ والمثقفون القدامى، حيث كانوا يكتبون أموراً منوعة: بين حادثة طريفة، أو إلتفاتة علمية، أو خواطر فكرية بل هناك من كتب بعض “النكت” المضحكة في كشكوله.

blog

ـ 2 ـ

يحدثنا أهل الفهارس ـ ممن شغق بتدوين أسماء الكتب ومؤلفيها وما تحتوي ـ عن أنواع كثيرة من الكشاكيل راجت بين العلماء؛ ظريفةً في مُسمياتِها، وفي مضامينها أيضاً. فمن العلماء من اكتفى بتسمية كشكوله بـ”الكشكول”، وقد أحصى العلامة الطهراني ما يقارب الثلاثين مصنفاً تحت هذا العنوان، وهنالك من كان أكثر طرافة في اختياره لعنوان كشكوله؛ إذ جاءت بعض التسميات كالآتي: “أنيس العلماء“، “بحر اللئالي“، “جمع الشتات“، “الجعبة الغالية والجنة العالية“، “الرياض المزهرة“، “الزرابي المبثوثة“، “صندوق النفائس“، “غاية المطلوب لترويح القلوب“، “الحدائق الزاهرة“.

ولعل أشهر كشكولين في الوسط الديني هما: “كشكول” الشيخ البهائي ـ الشغوف بالعلوم الغريبة والأسفار المنوّع ـ، و”كشكول” الشيخ يوسف البحراني ـ زعيم الأخباريين؛ الذي انتهت في عصره موجة الحركة الأخبارية ـ لما يحتويانه من طرائف علمية، وقصص ممتعة، وخواطر مشوقة، ولعل شهرتهما ترجع لأنهما الأكثر طباعة وتداولاً بالمقارنة مع غيرهم.

ـ 3 ـ

مع أنفجار ثورة المعلومات، وتنامي فرص الإنسان في التعبير عن نفسه بحرية وبلا قيود، فإن “الكشكول القديم” أخذ لنفسه حلّة جديدة تمثلت بـ”المدونات” الحديثة “Blog” والتي يعود عمرها إلى حوالي الخمس عشرة سنة، لكن شهرتها وتحولها إلى أداة شعبية في متناول الجميع لربما يعود إلى بضع سنين تتراوح بين الخمسة إلى تسعة سنوات.

ارتداؤها لحلّة جديدة لم يقتصر على الشكل فقط بل تعدى ذلك إلى أمور أخرى كثيرة، فمن جهة: بات “الكشكول الحديث” لا يقتصر على الخواطر الدافئة، والملاحظات العلمية بل بات يعبّر عن “متنفس سياسي” ساخن، ومساحة للصراعات الاجتماعية والسياسية. كما أنه بات للبعض نافذة “للصراخ” تعبيراً عن كبت اجتماعي يمنعه من الحديث بصراحة عمّا يجول في خاطره، في حين أنه يعني للبعض “فرصة” للإبداع عندما ضاق المجتمع عن احتوائه، فترى المدونات الأدبية والشعرية، كما المدونات القصصية والروائية، أو العلمية والتكنولوجية.

من جهة أخرى: بات “الكشكول الحديث” لا يحتوي على الكلمات فقط بل صار من الضروري لصناعة النجاح في هذا “الفن” أن يحتوي على تصميمات رائعة، أو ملحقات فيديو، أو صور معبرة بل البعض يرفق معها ملفات صوتية.

enter-blog

ـ 4 ـ

لن يكون من السهل التنبؤ بمستقبل “الكشكول الحديث” وما سيخلفه من آثار على واقعنا المعاصر، لكن المؤكد أنه سيلعب دوراً حيوياً ومهماً ـ كما لعبه في السنوات السابقة ـ على مختلف الصعد الثقافية والإعلامية والاجتماعية والسياسية. وفي مطلق الأحوال فإنه فرصة كبيرة للإنسان اليوم لم تتوفر له في السابق ليعبر فيها عن نفسه وطموحاته وخواطره . . وإبداعاته أيضاً.

* * *

blogging

سأعتبر هذه التدوينة بمثابة ميثاق بين كاتب المدونة ومتابعيها، تبرر الولوج في هذا العالم؛عالم التدوين، وتضع الملامح العامة لمسارها، فهي لن تكون في موضوع واحد، ولن تكون بحثاً علمياً، ولا مشروعاً متكاملاً، كما أنها لا تنوي أن تنحصر في قضايا بلد محدد بل ستكون فضفاضة بقدر فضفاضية عالم المعلومات، مع المحاولة ـ قدر الإمكان ـ أن تكون مفيدةً.

لماذا الكهف؟

الأسطر القادمة تمثل بعض المبررات لتسمية هذه المدونة بـ”مدونة الكهف

ـ 1 ـ 

يحدثنا علماء الطبيعة، وتحديداً من اختص بعلم الكهوف والمغارات (سبْيولولجي Speleology)، عن أنواع عديدة من الكهوف، كما أنهم يُسهبون ـ بالتعاون مع علماء الجيولوجيا ـ في الحديث عن طرق تكونها وتشكلها، ويأخذهم الحديث جانباً عن طولها وعمقها وعرضها، وهي في كل الأحوال “قصة ممتعة”.

mellisani_cave_greece2

هنالك من الكهوف ما لا يوجد إلا في الأماكن الجبلية، باعتباره نتيجة طبيعة للتطور الجيولوجي في تلك المنطقة. وهنالك بعض الكهوف التي تتواجد متصلة بالبحر أو البحيرات، وأخرى تكون في محيط قريب للغابات والمناطق السهلية المخصبة. والمُلفت أن أغلب الكهوف تكون مغايرة لمحيطها، فلن يُحدّثك محيطُ الكهف ـ السهلي أو الجبلي أو البحري ـ عما فيه؛ قد يبعث ببعض الإشارات ويحرك بعض التنبآت لكنه لن يروي القصة كاملة. والميزة الأخرى؛ أن عملية تشكل الكهف تأخذ وقتاً طويلاً جداً يعد بآلاف السنين، كما تتطلب حركة عنيفة في الأرض مصحوبة بحرارة عالية، وممتزجة بعناصر المحيط . . عملية بالغة التعقيد والترَكُب.

ـ 2 ـ

على المستوى الإنساني، يُمثل الكهفُ بالنسبة للإنسان إحدى الوسائل التي استخدمها للاحتماء والسكنى؛ وذلك لما يحتوي عليه من إمكانية الاختفاء والتستر، والوقاية والتحصّن. فما إن يتصارع الإنسان مع الكائنات المحيطة به حتى تراه “أَوَى” إلى كهف يحميه، وما إن ضاقت عليه الأرض بما رحبت تجده يسكن الكهوف. ويطيل علماء الأنثروبولوجيا والأركيولوجيون الحديث عن علاقة الإنسان بالكهف؛ فمن رسوم وكتابات نقشتها سكان الكهوف، إلى أدوات ووسائل استعملوها، وانتهاءً بمخازن ورفوف وأسرّة صنعوها.

11386256-man-standing-in-front-of-a-cave-entrance

مُذاك مثّل الكهفُ علامةً رمزيةً في الوعي البشري، توحي إلى الاحتماء والعزلة، كما أنه محتوى الأسرار، وفي بعض الأحيان مخزن الثروات والكنوز.

ـ 3 ـ

منذ الصغر، وفي طريقنا إلى المدرسة، اعتدنا استماع آيات من القرآن الكريم، وما إن نصل المدرسة حتى نستمع مرة أخرى إلى آيات الذكر تتلى قُبَيْل موعد “الطابور” ـ كما نسميه في لهجتنا ـ، وقد اعتدنا سماع صوت أحد القراء الذي كان شجياً، إذ كان يتلو القرآن بنعومة وشجى، وبـ”لحن” جميل جداً. والمصادفة أن السورة التي كنا نستمع إليها آنذاك كانت سورة “الكهف”.

بمرور الوقت، ودوران حركة عجلة الزمن حدث لى ثمة ارتباط غريب مع هذه السورة الكريمة، فمن جهة كنت أعمل ناشطاً في مؤسسة شبابية عُرفت آنذاك باسم “مؤسسة الرقيم” ـ وللرقيم قصة مشار إليها في سورة الكهف ـ، ومن جهة أخرى تحمل هذه السورة دلالات ومعاني رمزية بالغة الجمال، فاسمها يحتوى دلالة بالغة، وتنوع قصصها يفتح الآفاق إلى عالم من الخيال والعِظة، وصورها البلاغية الرائعة، ناهيك عن معانيها، وفضلاً عن حركة إيقاعها الصوتي.

cave (1)

رمزية الكهف تثير الإنتباه إلى دلالتها في الاستعمال الديني، فالكثير من النصوص الدينية تستعمل هذه الكلمة؛ خصوص النصوص الروحية كالأدعية والمناجاة، أو التي تصف الرموز الدينية، ففي الدعاء المشهور للإمام الحسين (ع) في وادي عرفات نجده (ع) يجأر قائلاً: {أنت كهفي حين يعييني المذاهب في سعتها، وتضيق عليّ الأرض برحبها}، وفي نصوص آخرى: {َ يَا عُدَّتِي عِنْدَ الْعُدَدِ وَ يَا رَجَائِي وَ الْمُعْتَمَدُ وَ يَا كَهْفِي وَالسَّنَدُ وَيَا وَاحِدُ يَا أَحَد}، {يَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَيَا إِلَهِي وَيَا كَهْفِي وَيَا حِرْزِي وَ يَا قُوَّتِي وَيَا جَابِرِي وَيَا خَالِقِي وَيَا رَازِقِي‏}، {وَيَا كَهْفِي وَيَا كَنْزِي وَيَا ذُخْرِي وَيَا ذَخِيرَتِي‏}، {يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا كَهْفِي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي وَعَظُمَتْ هُمُومِي وَقَلَّ صَبْرِي وَضَعُفَتْ حِيلَتِي وَكَثُرَتْ فَاقَتِي‏}

كما أنها تستعمل في وصف الرفقة الطيبة التي يمكن الاعتماد عليها، إذ يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): {َالْإِخْوَانُ صِنْفَانِ إِخْوَانُ الثِّقَةِ وَإِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ، فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ: فَهُمُ الْكَهْفُ وَالْجَنَاحُ وَالْأَهْلُ وَالْمَال‏ِ}

ومن جميل ما يروي التاريخ أن الإمام الحسين بن علي عليه السلام، عندما استشهد في كربلاء وفُصل بين جسده ورأس، ووضع رأسه على الرمح، وسير به من كربلاء إلى الشام، كان الرأس الشريف آنذاك يردد آيات من سورة الكهف {أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا}

فكما يحمل الكهف الطبيعي في داخله الكثير من الأسرار، فإن الكهف في الإطار الديني يحمل مخزوناً دلالياً عميقاً . . يشير إلى الحماية الروحية، والثبات العقلي، والسلوك الرشيد، وهي كلها عنوان للرحمة المنهمرة بانتشار على البشرية.

ـ 4 ـ

بإضافة معطيات العلم الحديث عن الكهوف، ومزجها كدلالات رمزية للمحتوى الديني لهذه الكلمة، وبالنظر إلى واقع عصر المعلومات وتدافع الأفكار . . تتبلور صورة رمزية للـ”كهف” توحي بحال المدونة وهمومها.

لهذه المبررات منفصلة ومجتمعة كان اختياري للـ”كهف” كعنوان للتدوين في عالمنا اليوم.

لكن في الوقت ذاته يثير هذا العنوان قلقاً آخر، لما قد يحتويه من “احتكار للحقيقة” أو “مزايدة” في البضاعة المزجاة هنا . . ولهذا لا بد من وقفات تدوينية للحديث عن “الحقيقة”

آمل أن نوفق للحديث عنها في قادم التدوينات . . .

رابط

<a href="السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية 1501 - 1576السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية 1501 – 1576 by علي إبراهيم درويش
My rating: 3 of 5 stars

هذا الكتاب يعتبر الاحدث مما كتب عن الدولة الصفوية عربياً، فهو صادر في بداية هذا العام 2013. ويأتي في سياق تنامي البحوث عن هذه الحقبة، إذ أن حقل “الدولة الصفوية” يشهد انجذاباً ملحوظاً إن على مستوى الكتابة العربية أم الإنكليزية. ولهذا أسباب عديدة.

يقع الكتاب في ضمن مقدمة وخاتمة وملاحق وتسعة فصول. إلا أنه يمكن تقسم الكتاب إلى ثلاثة دوائرة رئيسية، 1)البحث التاريخي للدولة الصفوية جغرافياً وسياسياً، 2) البحث الشكلي للدولة الصفوية والذي يتناول هياكلها الإدارية والاقتصادية، 3) البحث الإشكالي المعرفي الذي تناول علاقة الدين؛ وتحديداً المذهب الشيعي، بالدولة.

الدائرة الأولى تندرج فيهاالفصول الأربعة الأولى (1- الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي ما قبل الدولة الصفوية. 2- نشأة الدولة الصفوية. 3- الدولة الصفوية وجوارها (1). 4- الدولة الصفوية وجوارها(2)).

وقد وفق المؤلف في هذه الفصول الأربعة في سرد الحبكة التاريخية لهذه العناوين، خصوصاً إضاءاته للتاريخ القريب جداً من نشوء الدولة الصفوية، بل للحضن السياسي والاجتماعي للحركة الصفوية كطريقة صوفية في ظل دولتي الآق قويونلوا والقرا قويونلوا. ولعل مرجع هذا التوفيق هو قدرة المؤلف على ثلاثة لغات هي العربية والفارسية والإنكليزية، مما أتاح له فرصة الإطلاع على مصادر متوفرة بهذه اللغات، وخصوصاً الإنكليزية منها والتي اعتمد بشكل كبير فيها على الباحث المتخصص بالصفوية سافوري (Roger Savory)، وكذلك على موسوعة جامعة كيمبرج لتاريخ إيران، التي تعتبر جهد ثري جداً في هذا المجال. نعم، كان ينقص المؤلف اللغة التركية التي تعتبر مصدراً مهماً لهذه الفترة، فعلى الرغم من اعتماد المؤلف لبعض الترجمات لكنها غير كافية لاستكمال المشهد.

إلا أن المؤلف لم يوفي الحركة الصفوية كطريقة صوفية حقها من البحث والتعريف والمقارنة مع مثيلاتها في تلك الفترة، كما لم يوضح هرمها الطريقي (القيادي) واهم مبادئها المميزة عن غيرها. ولعل مرجع هذا إلى ضعف المؤلف في مجال الدراسات الدينية.

أما الدائرة الثانية فهي التي تضمن الفصلين الخامس والسادس، (5- الدولة الصفوية: التنظيم الإداري. 6- الدولة الصفوية: التنظيم الاقتصادي والمالي). ومرة أخرى أيضاًفقدوفق الكاتب في هذه الفصول بنسبة كبيرة، وذلك في عرض المناصب الإدراية للدولة وسياسة التنصيب فيها، وتوزعها العرقي والديني، دور كل منصب، والتجاذبات السياسية فيها. ومرجع ذلك مرة أخرى أيضاً لاستناده إلى البحوث المتراكمة في هذا الحقل.

أما الدائرة الثالثة فقد تشملت الفصول السابع والثامن والتاسع (7- الصفويون والدين. 8- دور الفقيه في الدولة الصفوية. 9- العلاقة بين الفقيه والشاه) وللأسف أقول أن المؤلف في هذه الفصول لم يحالف التوفيق بنسبة كبيرة جداً. فعلى الرغم من محاولة ربط المجال السياسي والاجتماعي بالمجال الديني في دراسة علاقة الدولة الصفوية بالدين، إلا أنه أظهر فقراً كبيراً جداً في استيعاب مجال الدراسات الإسلامية وتحديداً الدراسات الشيعية. لذا فإن هذه الفصول فيها الكثير من التكرار والخروج عن الموضوع، ناهيك عن سوء فهم مفاهيم أولية لأي مشتغل في حقل الدراسات الشيعية، كمفهوم “نيابة الإمام”، و”الأحديث الشيعية” و “الأخبارية والأصولية”، والتي في الواقع أوقعت الكاتب في تنظيرات مغلوطة، وربط لأمور لا ربط بينها. ولعل مرجع ذلك عدم تواصل الباحث مع المنجز العلمي لحقل الدراسات الشيعية سواء منه المكتوب بالعربي أو الإنكليزي أو الفارسي، خصوصاً المتعلق بالفترة الصفوية. فقد غابت عن مصادر الباحث جهود علمية دقيقة ومشكروة لهذه الحقبة، وتتصل بجوهر بحثه، لمؤلفات جودت القزويني حول تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية، وعلي فياض، وتوفيق السيف، والشيخ علي المهاجر. كذلك مؤلفات Anderw Newman عن الدولة الصفوية، وكتاب أبيساب “تحول بلاد فارس” (Converting Persia) والذي يتناول تحديداًدور علماء جبل عامل في الدولة الصفوية.

هذا القصور من الكاتب جعل من الفصول الثلاثة الأخيرة، وهي جوهر الكتاب، باهتة وغير مؤسسة، وليس فيها نظري تحليلية. كما أنها تفتقر للتفاصيل المعلوماتية وعلى قطيعة من التراكم العلمي في هذا الحقل.

يبقى الكتاب في فصوله الستة الأولى فرصة جيدة للقارئ العربي للإطلاع على خلاصة المصادر الإنكليزية والفارسية فيما يرتبط بالدولة الصفوية على المستوى التاريخي والإداري فقط. أما على إشكالية الدين والدولة في الفترة الصفوية فالكتاب محدود في تقديم رؤية جديدة أو تفصيلية فيها.

View all my reviews ” title=”عرض لكتاب “السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية”">عرض لكتاب “السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية”

كتاب “التعددية الدينية في فلسفة جون هيك؛ المرتكزات المعرفية واللاهوتية”

للمهتمين بقضايا فلسفة الدين

تجدون في هذه التدونية كتاباً عن فكر المتكلم المسيحي المشهور جون هيك “التعددية الدينية في فلسفة جون هيك. المرتكزات المعرفية “واللاهوتية” يمكنكم تحميله.

تمنياتي لكم بقراءة ممتعة ومفيدة

قصتي مع “كتاب” قديم

ليس كل كلام بحاجة إلى مقدمة، بعض الكلام يقدّم نفسه بلا تمهيد، والكلمات التالية من هذا النوع من الكلام . .!

-١-

بينما أقلّب التغريدات بتويتر وهي مشحونة بالأحداث السياسية، وقعت عيناي على تغريدة أعادت لي ذكريات جميلة تربو على الخمس عشر سنة

-٢ـ

تلك التغريدة كانت من شبكة الفكر المعنية بالكتب الالكترونية، حيث وجدتها قد حوّلت أول كٌتيب كتبه في حياتي إلى كتاب إلكتروني

-٣-

الكتيب بعنوان “خطى نحو مجتمع قارئ

-٤-

كانت التجربة بالنسبة لي تجربة عفوية، انطلقت من عشق للقراءة، ورغبة بالإنجاز، محمومة بحماس الشباب

-٥-

ولا أزال أتذكر كل تفاصيلها، من ولادة الفكرة، مروراً بظروف تأليفها، وإنتهاءً بطباعة الكتاب ونشره. وسأرويها هنا.

-٦-

كانت البدايات عندما توجهت إلى العمل الشبابي الديني، وقد كانت تلمع أمامي قدوات دينية، كنت أراها مثالاً يحتذى به، وعندما كنت أسأل والدي عنها

-٧-

وعن سر تميزها، كان دائماً ما كان يقول لي “كثرة القراءة“. وفي تلك الفترة صادف أن نظمت المؤسسة الشبابية التي كنت أنتظم بها دورة صيفية ثقافية.

-٨-

كانت إحدى مواد الدورة عن “حب القراءة” وكان يلقيها د. سليمان الخضاري  ‎@Alkhadhari‏ بأسلوبه الرائع والجميل، وكان لها الأثر الكبير عليّ.

-٩-

استشرت المرحوم السيد محمد رضا الشيرازي عن أفضل الكتب لقراءتها، فأوصاني بكتب آية السيد هادي المدرّسي، وقال إنها كتب شبابية.

-١٠-

فصرت أقضي من الليل ثلاثة ساعات في القراءة في أجواء الصيف، وشيئا فشيئاً نَمَتْ عندي مكتبة خاصة، وكتبٌ صارت تربطني بهم علاقة حميمة.

-١٢-

بمرور الأيام، صارت القراءة بالنسبة لي إدمان، أبذله عليه أغلب مصروفي الأسبوعي، وأقضي كثيراً من وقتي فيها.

-١٣-

حتى صار الأصدقاء عند كل لقاء جماعي شبابي مع شخصية فكرية، يبنبؤون بضحكٍ عما سأسأل عنه وهو “كيف يُمَنْهج الإنسان قراءته؟”

-١٤-

ثم كانت بداية فكرة تأليف الكتيب عندما قرأت عدة كتب عن موضوع علاقة القراءة بالمجتمعات العربية، ولا أنسى مصدرين أساسيين.

-١٥-

الأول: مجلة الكلمة العدد ٢١، والذي خصص لموضوع القراءة في المجتمعات العربية، والثاني: كتاب أ. حسن حمادة “أمة إقرأ لا تقرأ

-١٦-

وفعلاً عزمت على كتابة الكتيب، فبدأت بخطة القراءة في الموضوع لمدة شهرين، على أن أبدأ التأليف في سوريا، حيث كنت سأذهب للدراسة الصيفية هناك في الحوزة

-١٧-

وفعلاً، ما إن وصلت، وتهيت ظروف السكن في بيت صديقي العزيز الشيخ هاني الحكيم @H_ALHAKEEM18، حتى بدأت الكتابة.

-١٨-

وفي غضون أسبوع كنت قد انتهيت من الكتيب، خصوصا أن هذا الأسبوع كانت الدراسة بعدُ لم تبدأ، وساعدني على ذلك الإعداد السابق للكتابة.

-١٩-

رجعت إلى الكويت بعد قضاء قرابة الثلاثة أشهر في سوريا، وكنت أحمل فيما أحمل في حقيبة العودة كراس صغير يحتوي على ما كتبته هناك.

-٢٠-

ما إن عدت إلى الكويت حتى انشغلت بالدراسة والعمل الشبابي، وظلت تلك الأوراق مخزونة في الأدراج، أعود إليها حينا وأنركهها حينا أخرى

-٢١-

فعزمت بعد حين على أنجاز الكتيب والإنتهاء منه، مع إضافة بعض الإحصائيات الجديدة، خصوصا تلك المتعلقة بمعرض الكتاب الكويتي.

-٢٢-

وللحصول على الإحصائيات كنت بحاجة إلى أرشيف صحفي، فلم أجد ملاذا إلا بإعانة الأستاذ فاخر السلطان  ‎@fakheralsultan‏ بإتاحة الدخول لأرشيف جريدة الوطن الكويتية

-٢٣-

وفعلاً حصلت على ما كنت أبحث عنه من معلومات. ثم قال ابن العم حسين يحيى البلوشي بطباعة الكتيب على الكمبيوتر.

-٢٤-

بعد ذلك قام الأستاذ السيد حسن الحسن  ‎@Alsaid_hassan‏ بإخراج الكتيب، وإبداء الملاحظات. كما راجع الكتيب الأستاذ حسن العطار  ‎@Hasan_alattar‏

-٢٥-

هنا بدأت الأزمة المالية، فمن أين سأجد المال الكافي لطباعة الكتيب، خصوصاً أن التأليف صنعة الفقراء في العالم العربي وليست صنعة الأغنياء

-٢٦-

اقترح الوالد أن أبدأ بالحديث مع أخوالي وخالاتي من جهة، وعماتي وأعمامي من جهة أخرى، فكل يساهم بقدره لإنجاز التكلفة التي كانت تقريباً 550 ديناراً كويتياً

-٢٧-

 وفعلا حصلت على قرابة الـ ١٨٠ دينارا من مساهمات الأهل. إلا ان المبلغ لم يكمل، حتى جاء أصغر أخوالي، الأستاذ طارق الحبيب، وعرض عليّ مساهمة سخية.

-٢٨-

وهو أن يتكفل ببقية المبلغ، وينشر الكتيب في مكتبات المدارس، ويوصل نسخة منه لوزير التربية. وفعلا، فقد وزّع الكتيب في المكتبات، ووصل للوزير أيضاً

-٢٩-

وجاءتني رسالة تقدير من الوزير، ومن ناظر المدرسة آنذاك. وفعلاً فقد انتشر الكتيب على مستوى لا بأس به من الإنتشار في الكويت.

-٣٠-

الآن وكلما رأيت الكتيب رأيت فيه المحاولة الأولى بما فيها من البراءة والأخطاء. واستعدت الذاكرة بما فيها من التحديات والصعاب ومتعتة الإنجاز

-٣١-

هذه كانت قصة تأليف هذا الكتيب ودمتم سالمين ‎

خطى نحو مجتمع قارئ

لتحميل الكتاب إضغط خطى نحو مجتمع قارئ

من الوحيد البهبهاني إلى المرجع المدرّسي: الإطار الجديد لعلم أصول الفقه*

كثيراً ما حار فلاسفة العلم في تحليل ظاهرة إنتقال العلم من إطار تفسيري معيّن إلى إطار آخر، فما الذي يجعل من نظرية علمية ما تهيمن على عقول العلماء لفترة من الزمن، ثم لا تلبث أن تنهار لتحلّ محلها نظرية أخرى؟ فالعالَم الفيزيائي النيوتني (نسبة إلى نيوتن) بقواعده وقوانينه هَيْمَنَ على تفسير العلماء للكون والطبيعة بل بالغ البعض في تفسير النظم الاجتماعية به لفترة من الزمن، إلا أنه بعد فترة أخرى سقط أمام التفسيري النسبيّ (المنسوب للنظرية النسبية لآينشتاين)، وهذا الأخير بدوره أَفَلَ للسقوط قرابة نهاية القرن العشرين في مقابل التفسير الكوانتمي (نسبة للنظرية الكمية الكوانتم).

هنالك العديد من التفسيرات لهذه الظاهرة، ظاهرة التحوّل العلمي، طرحها فلاسفة العلم في القرن العشرين. لعل من أشهرها نظريتان؛ الأولى هي نظرية فيلسوف العلم الأمريكي توماس كون (Thomas Kuhn) التي عرضها في كتابه القيّم “بنية الثورات العلمية[1]” (Structure of Scientific Revolutions)، والثانية هي نظرية فيلسوف العلم الشهير البريطاني كارل بوبر (Karl Popper)، والتي تناولها في متفرقات كتبه. وعلى الرغم من أن جهود فلسفة العلم بشكل عام، ونظرية هذين العالِمَيْن بشكل خاص، معنية بالدرجة الأولى بالعلوم الطبيعية (Science) ولم تحاول تعميمها إلى مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، إلا أنه يمكن الاستفادة من تصورهما المجازي ـ على الأقل ـ في توصيف ظاهرة الهيمنة العلمية وكيفية تحولها، مع الإقرار بعدم الدقّة العلمية لاسقاط أيِّ من النظريتين على مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وما يهمنا هنا هي نظرية توماس كون.

يرى كون أن استقرار أيَّ تفسير علمي لفترة من الزمن إنما يستند إلى عوامل إجتماعية وأخرى علمية، تلك العوامل الاجتماعية تتمثل في إشتغال مجموعة من العلماء في حقل علمي ما، واقتناعهم بنظرية معينّة، مما يجعلهم يمدّدون أصولها المعرفيّة وتفسيراتِها إلى أبعاد خارج نفس الحقل العلمي، ويحاولون إعادة تفسير الكثير من العناصر على أساسها. كما أنهم يقومون بشرح النظرية وتبسيطها، وتحوليها إلى قوالب سهلة للتناول العام. وقد يستمر هذا الحال لفترة من الزمن، بحيث يبدو لجيل العلماء أن هذه النظرية هي الوحيدة الكفيلة بتفسير العالَم، وبطبيعة الحال يُعين على ذلك الأدلة العلمية المادية، التي تُنجزُ بدورها على أرض الواقع مكتشفات وتفسيرات تعزز من قبول النظرية العامة. هذا المركب التفسيري هو ما يصطلح عليه كون بـ”البراديغم” (paradigm)، أي النموذج أو النظام.

إلا أن أيّ براديغم وبعد فترة من الزمن يواجه أزمةً معرفيّةً، وذلك بظهور ثغرةٍ معرفيّةٍ في أحد جوانبه أو بتحوّل ثوري في النظرة إلى العالَم، تقود بدورها إلى سلسلة من الإنهيارات في البراديغم، مما يصيبه بالعجز عن تقديم تفسير علمي للحقائق المثالة، فيتيح بدوره المجالَ لظهور براديغم آخر يحل محله، ويكون أقدر على التعامل مع الأزمة الجديدة بل ويقديم تصوراً أفضل لها. يصف الدكتور حيدر إسماعيل هذه الجزئية بقوله أن نظرية كون لها جهة تاريخية “تؤكد وجود أزمات في النشاط العلمي على غرار ما يحصل في العمل الاجتماعي ـ السياسي. والأزمة تحدث عندما يُفاجَأ العاملون في الحقل المعرفي بظاهرة غير مُتَوَقَعٌ ظهورها ولا يقدر العمل العادي أن يشرحها. هنا، يحصل إنقسام المتّحد [أيّ البيئة العلمية] إلى فئتين: واحدة تظل متشبثة بالبراديغم القائم، وأخرى، وغالباً ما تكون من العلماء الشبان، تتحول إلى نظرة جديدة فبراديغم جديد، ويكون الحاصل ثورة علمية”[2]. بعبارة أخرى؛ عندما يستنفد إطار تفسيري معين أو براديغم قدرتَه على العطاء العلميّ في حقله، وذلك لإنسداداتٍ معرفيّةٍ، فإن نموذجاً تفسيرياً آخر يحلّ مكانَه، ويواجه القضايا العلميّة المستحدثة.

علم الأصول باعتباره البنية التحتية للتحول الحضاري

إمتاز علم أصول الفقه بعدة سمات ميّزته عن مجموع العلوم التي احتضنتها الحضارة الإسلامية، فهو من جهة علمٌ إسلاميٌّ خالصٌ، وُلِدَ متصلاً بالعلوم الإسلامية كالكلام والفقه، ووُظِّف في خدمتها، وعلى الرغم من التطورات اللاحقة له بتسرب بعض المفاهيم الفلسفية اليونانية التي نمت في حقول الفلسفة إليه، إلا أنه ظلّ إسلاميَ المولد والوظيفة. ومن جهة أخرى، فهو مَنْطق الفقه وعقله الذي يفكر، وهذا جعله علماً تشترك فيه كل المذاهب الإسلامية، وتثريه بآراءها ومناقشاتها. والميزة الأهم؛ أنه العلم الذي من خلاله توضع أصول التحول الحضاري، أو بتعبير السيد المدرسي “البنى التحتية للتحول الحضاري”[3]. من الناحية التاريخية والمنطقية، فإن أيّ تحوّل حضاري في الحضارة الإسلامية كان بحاجة إلى، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية، تطوّر كلاميّ يعيد تأسيس النظرة إلى العالم، ومن ثمّ يُمنهَج قواعدَ وأصولٍ استنباطيةٍ توفر الأرضية المعرفية للفقيه لترجمتها على أرض الواقع في سلوك المسلمين متمثلاً في الفقه.

ولعل من شواهد ذلك ما نراه في الإطار السني، حيث عبّر علم الأصول عن تحوّل تاريخي وحضاري، فمحمد بن أدريس الشافعي [ت 204 هـ/820 م] على سبيل المثال مثّل علامة فارقة، وفي فترة أخرى كان أبو حامد الغزالي [ت 505 هـ /1111م]؛ الذي يعتبره الكثير نقطة تحوّلٍ حضاري عميقةً، ومن ثمّ أبو أسحاق الشاطبي [ت 790هـ/1388م] الذي كان بدور طفرةً نوعية في علم الأصول، وأخيراً في القرن العشرين مع علال الفاسي [ت 1394هـ/1974م] والطاهر بن عاشور [ت 1393 هـ /1972م] وإسهاماتهم المقاصديّة. كما في الإطار الشيعي الإمامي نجد نقاط مماثلة، إبتداءً من الشيخ الطوسي [ت 460 هـ/ 1067م]؛ الذي مثّل العصر المباشر لما بعد الغيبة، وفي فترة أخرى كان المحقق والعلامة الحليين؛ اللذان مثلا فترة مختلفة سبقت العصر الأخباري، وأخيراً العلامة الوحيد البهبهباني [ت 1206 هـ/ 1791م] الذي لا يزال علم الأصول يدور في مجرى إطاره.

مدرسة البهبهاني والإطار العام لعلم الأصول المعاصر

على يد المحقق الأردبيلي [ت 993 هـ/ 1585] وصلت نظرية الظن الأصولية التي أسسها المحقق الحلي إلى منحنى خطير، أو على الأقل هذا ما تصوره البعض، خصوصاً بعد توظيفها على التراث الحديثي والروائي، بل قارب الأمر إلى الوصول إلى الإنسداد العلمي، وبناء المعرفة الدينية على أساس من الظن المحض. لم يَرُقْ هذا الوضع للمجتمع العلمي في الوسط الإمامي، فقد كان من الصعب وغير المقبول الالتزام بتداعيات نظرية الظن، وما يسلتزم ذلك من إزاحة كم كبير من التراث الروائي جانباً فقط لأنه لا يتوافق مع ضوابط “اليقين” وفق نظرية الظن.

أمام هذا “التطرف” الظني، بَرَزَتْ المدرسة الأخبارية كردة فعل عنيفة، إنتقلت من طرف إلى طرف آخر، فباتت الكتب الأربعة بكل مروياتها حجةً في المعرفة الدينية، وظواهر القرآن الكريم مرهونة بتفسيرات الرواية، وحدود العقل مُأَطَّرَة في مجالات ضيقة جداً، مع إعلاء لظاهرة “الاحتياط”، ناهيك على تداعياتها الاجتماعية والسياسية في المجتمع الشيعي. وبهذا، ابتدأ جدل ساخن في المجتمع العلمي طال على مدى قرنين من الزمان، تبادل فيه الطرفان الردود والرسائل، وفي أحيان أخرى التهم، إلى أن إنتهى الصراع على يد طرفين متعدلين من كلا الإتجاهين، الأول هو المحدث الشيخ يوسف البحراني [ت 1186هـ/1772م]؛ مُمَثّلاً عن التيار الأخباري، والثاني هو محمد باقر البهبهاني المعروف بـ”الوحيد البهبهاني”؛ مُمَثّلاً عن التيار الأصولي.

قَدِمَ البهبهاني إلى مدينة كربلاء المقدسة، التي كانت آنذاك معقل الأخباريّة، طالباً يبحث عن قصاصات علم ينتفع بها، وتدرَّج في سلّم العلم طاوياً مراحل المعرفة، إلى أن وصل به الحال إلى تأسيس مدرسة أصولية حديثة. كانت دروسه تقام سرّاً في أزقة كربلاء، إلى أن حاز على ثقة إجتماعية علمية أثبت بها جدارته، واستطاع بها أن يعلن مواجهته للتيار السائد آنذاك، فبَرَزَ مواجهاً المحدّث البحراني في المجالس العامة، ومحاضر العلم، وطالت بهم المناقشات حتى أفَلَتْ المدرسة الأخباريّة وبرزت في المقابل المدرسة الأصولية الحديثة. وما لا يمكن إنكاره هو الثراء الفكري الذي تركته المدرسة الأخبارية في الفكر الشيعي إنْ على مستوى المساهمات التصنيفية من خلال الموسوعات الحدثية التي نمت في عهدها أو على مستوى الأسئلة التي طرحتها في الإطار المعرفي.

ليس من المجازفة القول أنّ الإطار العام لعلم أصول الفقه الإمامي المعاصر هو ذات الإطار الذي أسسه العلامة البهبهاني؛ وهو الذي نجده متمثّلاً على المستوى الأصولي في “فرائد” الشيخ الأنصاري [1281 هـ/ 1864م]، وعلى المستوى الفقهي في “جواهر” العلامة النجفي [ت 1266هـ/1850م]. فعلى الرغم من التراث الضخم الذي تراكم خلال القرنين الماضيين أصولياً وفقهياً، وعلى الرغم من التوسع في مباحث الأصول ونمو الكثير من النظريات الأصولية في العديد من مباحثه؛ إلا أن الإطار العام لا يزال هو الإطار البهبهاني.

ما يتميز به إطار مدرسة البهبهاني أنه يدور في فلك “الحجيّة”، فالنقطة المركزية أو المحور الرئيس في بحثه الأصولي هو “الحجية” وتوابعها، فأهم سؤال بالنسبة لهذا الإطار هو “الحجة” في الدليل الذي يستند عليه للاستنباط الفقهي لتحديد السلوك المبرء للذمة. وعلى هذا الأساس برزت ثلاثية العلم والظن والشك، وما تطوّر من خلالها من بحوث في التنظير لكيفية الاستناد على العلم، وتفرع عنها أيضاً ما سمي بالأصول العملية التي تحدّد تكليف الفرد في حال غياب النص أو الدليل. كما أن مدرسة البهبهاني أعادت الإعتبار للعقل من جهة، كما أعادت موضع القرآن الكريم في سلّم المصادر الشرعية، ناهيك عما طوّرته هذه المدرسة على مدى قرنين من بحوث فرعية في مباحث الألفاظ.

المدرّسي والإطار الجديد لعلم الأصول

في بدايات القرن العشرين، وتحديداً بين عامي 1905 ـ 1907م أبان الثورة الدستورية في إيران، واجهت مدرسة البهبهاني أول اختبار حقيقي لها، تمثل في التعامل مع الشأن العام المرتبط بهموم الاجتماع السياسي الإسلامي، وذلك في قضية تحديد شرعية الحكم، وسلطة الحاكم، وصلاحيات البرلمان (مجلس الشورى). وقد خاض في هذا الجدل ليس عامة الناس فحسب بل أقطاب الحوزة العلمية متمثلة بأعمدة علماء الأصول آنذاك، وهم الآخوند الخراساني [ت 1329هـ/1911م]، والعلامة النائيني [ت 1355هـ/1936م]، إذ أن الأخير حاول معالجة إشكالية الدولة وعلاقتها بالبرلمان من خلال نفس مرتكزات مدرسة البهبهاني بأدوات أصولية وفقهية، وذلك في رسالة بعنوان “تنبه الأمة وتنزيه الملة، فهي المرة الأولى التي يفكر فيها الفقيه الأصولي بقضايا الشأن العام من خلال الأدوات التقليدية لعلم الأصول، إلا أن هذه المحاولة لا يمكن تقييمها، وذلك أن الرسالة سُحِبَتْ من السوق بعد نشرها، كما أنها لم تلق اهتمام العلماء سواء بالقبول أو الرفض، ولعل وراء ذلك أسبابٌ سياسية واجتماعية.

لم تمر ستة عقود حتى عادت أسئلة الشأن العام وقضايا الدولة إلى السطح مرة أخرى في الوسط الشيعي الإمامي، وطرحت على مناضد بحوث العلماء، إلا أنها هذه المرة جاءت مصحوبة بكم كبير من التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل والمعرفيّة أيضاً. تركزت كل هذه الأمور في التحول الذي حدث في إيران بنجاح ثورة الإمام الخميني (ره)، وتحول إيران من الحكم الملكي إلى الجمهورية الإسلامية. وهذه هي المرة الأولى في التاريخ الذي يكون فيها المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة بقيادة الفقهاء وإدارتهم. وما زاد الأمر تحدياً أنه حدث في ظل عصر حديث تشهده الإنسانية، وما يعنيه ذلك من كمية كبير من الأسئلة، ونوعية جديدة من التحديات. في هذا السياق كان مطلوباً من مدرسة البهبهاني التي وصلت إلى ذورتها الأصولية أن تقدم إجابات وتصنع بدائل للتحديات الجديدة إلا أن الحقيقة أنها وجدت نفسها عاجزة أو أنها قد استنفدت كل إمكانياتها أمام الواقع الجديد، وكانت هذه الصدمة بمثابة ما عبر عنه د. حيدر سابقاً بـ”الظاهرة الغير متوقع ظهورها في الحقل العلمي” ـ بمصطلحات كون، إذا أردنا استثمار نموذجه في تحليل التحوّل المعرفي في علم الأصول ـ. فقد بدأت نظرة جديدة للعالَم بالتحول من الفرد إلى الدولة، ومن الجواب إلى المبادرة، فما عاد يكفي التعامل مع المستجدات بالأصول العلميّة، كما لم يعد تفسير الدين وتطبيقه ممكناً في ظل نصوص مقطوعة عن أصولها الأخلاقية، كما أن العناوين الثانوية إذا ضعت في التعامل مع المستجدات بعنوان “المصلحة” فإن قيم الدين ستُهمّش لصالح أمور يُظن أنها “مصلحة” في ظل غياب معايير قيمية تضبط أولويات المصلحة. كما في الوقت ذاته فإن الإقتصار على المعالجات الفقهية فقط سيضطر إلى الوصول إلى الأصول التي يسيّر عملية الاستنباط. بعبارة أخرى فإن البراديغم (paradigm) البهبهاني بدأ بالإنهيار شيئاً فشيئاً أمام التحول في النظر إلى العالم، وفي ظل ظواهر علمية جديدة غير متوقعة ولا يكفي في معالجتها مجرد إصلاحات جزئية بل المسألة بحاجة إلى تجديد منهجي في عملية الاستنباط.

في هذا السياق وفي وقت مبكر من التجربة الإسلامية الشيعية الجديدة، تَقدّم المرجع المدرّسي بأطروحة التطوير الأصولي، والتي بدأت بسلسلة من المحاضرات بعنوان “التمدن الإسلامي؛ أسسه ومبادؤه[4]” ألقاء على طلبة حوزة الإمام القائم (عج) العلمية عام 1981م، ثم تلت ذلك بداية تأليف موسوعته الأصولية الفقهية بعنوان “التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده” المكونة من عشرة أجزاء، ثلاثة منها تمثل الرؤية الأصولية التجديدية، والبقية تمثل التطبيق الفقهي للأطروحة الجديدة، وقد بدأها عام 1991، إنتهت عام 2003م بصدور الجزء العاشر منها.

يعيد المرجع المدرّسي في أطروحته الأصولية أصولَ الفقه إلى موضعه الطبيعي ودوره التاريخي المتمثل باعتباره “البنى التحتية للتحول الحضاري”، ففي علم الأصول تُمَنْهَج النظرة الجديدة للعالم (التطور الكلامي)، ومن خلاله تطرحه الأسئلة الرئيسية التي تهمّ المجتمع في تحوله الحضاري. ففي هذا السياق، وبينما كان محور المدرسة البهبهانية هو “الحجيّة”، فإن محور الأصول وفق الإطار الجديد الذي يطرحه المرجع المدرسي هي “قيم الشريعة”، منظوراً إليها ليس على المستوى التكليفي الفردي بل على المستوى الإجتماعي. ومن أجل هذا الغرض فإنه يعيد قراءة “حجيّة” المصادر الأولية للإستنباط (القرآن الكريم والسنة الشريفة والعقل والإجماع) لتوظيفها في إطار معرفة مقاصد الشريعة وقيمها، وفي الوقت ذاته فإنه يدمج بحوث فلسفة القانون الحديثة وفلسفة الأخلاق بعلم أصول الفقه، ويتساءل عن هرم أو شجرة القيم الشرعية، وكيفية تحديد الثابت منها عن المتغير، وكيفية معالجة الأولويات حين تعارضها نظرياً وعملية على أرض الواقع. وهذه القضايا الكبرى لا يتم خوضها من دون الخوض في تفاصيل تعريف القيم ومصادرها، وحدود العقل والنص والعلاقة بينهما، وكيفية تركيب النصوص الدينية بعضها مع بعض لتكون لحمة معرفية واحدة، وكيفية الوصول إلى القيم الأسمى، وكيفية دراسة المجتمع في تحديد المصلحة الأهم أو التحدي الماثل. وقد استتبع ذلك تغيّر جذري في بينة الفقه إن على مستوى الاستنباط أو الشكل.

بعبارة؛ المرجع المدرّسي وبأطروحته نقل الإطار العام لعلم الأصول من المدرسة البهبهانية إلى إطار جديد يستفيد من مبتكرات الجهود السابقة، ويتصل بمصادر المعرفة الدينية، ويضيف إليها محاور جديدة تجعل منه براديغم جديد في التعامل مع العصر الحديث، ويربطه في الوقت نفسه بالجدل الإنساني العام في قضايا الدولة. وسواء وُفّق المرجع المدرّسي في في رسم الخريطة الأصولية الجديدة بكل تفاصيلها أم لا، فإنه في الحقيقة وُفّق في تقديم إطارٍ جديدٍ لعلم الأصول يجتذب العلماء الجدد لتطويره ونقده والبناء عليه.

* المقال بالأساس نشر في مجلة الهدى، لقراءة بصيغة PDF، إضغط على الوصلة التالية.

مجلة الهدى العدد الأول.30-33


[1]- كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس. المنظمة العربية للترجمة، لبنان ـ بيروت. ط1، 2007م.

[2] – كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس. المنظمة العربية للترجمة، لبنان ـ بيروت. ط1، 2007م، ص10.

[3] – المدرسي، محمد تقي، التشريع الإسلامي: مناهجه ومقاصده. إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1415هـ، 1995م. ج3، ص5. ولقراءة الكتاب إلكترونياً من على الإنترنت:

http://almodarresi.com/books/708/index.htm

[4]- المدرسي، محمد تقي. التمدن الإسلامي: أسسه ومبادؤهُ. انتشارات المدرسي، طهران – إيران. ط1، 1992م.

حوار في العالم الإفتراضي . . مع الأشباح

عندما يوصف شخص ما بأنه يتعامل مع الأشباح، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ذلك الرجل العجوز ذو اللحية الطويلة، والعينين المحكولتين، يحمل بيده عصاة قديمة، وتمتلئ أصابعه بالخواتم ذوات الاحجار الكريمة. وفي الوقت ذاته، ما إن ترد كلمة الشبح على مسامع البعض إلا وترى القشعريرة قد بدأت بالسريات في جسم السامع موقفةً كل شعرة فيه. إلا أن الحقيقة أبعد من ذلك، فبين المعنى اللغوي لكلمة الشبح والمفهوم الثقافي الشبعي لها مسافة طويلة، فـ”كل ما بدى لك منه جزءٌ وغابت عنك بقية أجزائه” عدّ في العربية “شبحا”، ولأن الناس لا ترى الأشباح بل يوهم إليها ظلها، فهي تسميها “أشباحاً”.

من هنا؛ فإنه ليس من المجازفة القول؛ أننا وفي عصر ثورة المعلومات كثيراً ما نلتقي “بأشباح” في هذا الكيان الإفتراضي سواء التقنا بهم في عالم الفيسبوك أم التويتر أو غيرهما. لكن أشباح اليوم خير من أشباح الماضي، فأشباح اليوم يتكلمون لغة مفهومة، تمكننا من التواصل معهم، كما أنهم ذوو عواطف وأذواق، تسمع منهم شعراً وطرفةً وخواطر، وهم أيضاً مثقفون؛ تستفيد منهم معلومة وفكرة ورأياً . . وبالإضافة إلى ذلك فهو داروينيون، يتطورون بسرعة كبيرة في طفرات جينية تمكنك من رؤيتهم على الأرض في نهاية المطاف.

وهذه التدوينة في الحقيقة حوار مع أشباح، رأيتهم فجأة في العالم الإفتراضي، تواعدنا هناك ولم نُخلف الميعاد، وتحاورنا هناك ولم نندم، إلتقينا في حفلة عشاء فكرية على إحدى صفحات الفيسبوك، تناقشنا في أمور كثيرة تتصل بالفكر والثقافة. وبين أيديكم خلاصتها التي جرت على صفحة “الطالب المغترب” على الفيسبوك، إذ أني استقبلت عدة أسئلة، حاولت الإجابة عنها، ومن ثمة تحاورنا فيها. نظّم الموعد والميعاد @Majrash محمد العجرش، وشارك في النقاش مجموعة من الأشباح ترونهم في الأسفل. وقد وضعت الأسئلة كما وصلتني، ثم إجابتي عليها، ثم أرفقتها بالحوار الحي الذي جرى على الفيسبوك، ووضعت كل مناقشة متصلة بالسؤال المعنية بها.

أرجو لكم قراءة ممتعة

[1]

هل فهمنا للقرآن والدين بشكل العام يختلف مع اختلاف العلم و البيئة (اختلاف المعرفة بشكل عام)، ونرى ذلك جلياً في اختلاف الفقهاء، هذا الاختلاف يبين عدم وجود حق جلي و ضلال جلي بل هي أمور نسبية، في ظل هذا الاختلاف والنسبية، هل يصلح الاسلام كنظام اجتماعي، أم الأجدر الإحتكام للاحكام وضعية؟

البلوشي: الحقيقة أن هذا السؤال يتضمن ثلاثة نقاط أساسية:

1-       علاقة فهم الدين (أو القرآن الكريم) بتطور المعرفة البشرية وتداخلها.

2-       تحليل طبيعة إختلاف العلماء.

3-       علاقة الاختلاف في أراء العلماء بصلاحية الإسلام كنظام إجتماعي.

بالنسبة للنقطة الأولى؛ ما أظنه أن فهم الدين أو القرآن الكريم لا يختلف عن قدرة فهم الإنسان لأي قضية أخرى في المجالات العلمية؛ سواء منها الطبيعية أو العلوم الاجتماعية والإنسانية. فالقضية في الحقيقة هي في قدرة الإنسان على الفهم والتعقل؛ فمن يقول بقدرة الإنسان على فهم كل الوجود بكل تفاصيله من دون أي تأثير للظروف الزمانية والمكانية والتطور العلمي عليه، من يقول بهذا الكلام يواجه حقيقة ملموسة وواضحة في تغّير الكثير من النظريات العلمية، واكتشاف الإنسان لحقائق جديدة، وتأثير البيئة عليه. وفي المقابل من يقول بإن معرفة الإنسان للوجود بكل تفاصيله وفي جميع أبعاده معرفة نسبية متأثر منفعلة، فهو الآخر يواجه حقيقة تناقض داخلي في هذا الكلام؛ فإذا كانت المعارف كلها متغيرة؛ فإن هذه الفكرة ستهدم نفسها؛ لأن الفكرة ذاتها إما أنها معرفة متغيرة أو ثابتة، فإن كان متغيرة فمعنى ذلك أن فهم الإنسان قد يكون غير متغير، وإن كانت ثابتة؛ فكيف حصلت هذه الفكرة على هذه الميزة أليست هي الآخرى نوع من المعرفة؟! وهذا أصعب ما واجهه التيار النسبي المتطرف في المعرفة.

والحل في المنهج الوسط، وذلك بالقول بقدرة الإنسان وعقله على وعي الحقائق، وبالتالي فإن نسبةَ من معارفه ثابتة؛ وهي التي على أساسها يُبنى التعامل بين البشر والتحاكم، وفي الوقت نفسه هنالك معارف متغيرة متأثر بالظروف والتطورات العلمية. كذلك الأمر في فهم الدين، فالدين في أصوله العامة وأساسياته وقيمة الرئيسية وضروراته الفقهية وشعائره العبادية ثابت ولا يتغير وواضح، وعلى أساسه تمت الدعوة والبشارة والهداية، أما على مستوى تفسيرات بعض الأمور في تفاصيل العقيدة، وتفاصيل بعض القيم، وتفاصيل الفقه؛ فإنها خاضعة للتغير في المعرفة تبعاً لعوامل كثيرة، وهي جوهر محل الإجتهاد في الدين.

بالنسبة للنقطة الثانية، من خلال النقطة الأولى يتضح أن طبيعة الاختلاف بين العلماء في المذهب الواحد، وبينهم في الإسلام بشكل عام، هو الإختلاف في غالبه في الأمور القابلة للإختلاف؛ أي في تفاصيل التفاصيل. نعم هنالك بعض الأختلافات في الأصول العقدية؛ لكنها هي الأخرى في إطار الإختلاف فيما هو محل للإختلاف. على سبيل المثال يتفق جميع العلماء على تنزيه الله ـ سبحانه ـ في صفاته، لكنهم يخلفون في أن بعض الأحاديث التي تتوغل في توصيف الله ـ سبحانه ـ هل تنقض التنزيه أم لا؟ ومثال آخر: يتفق جميع العلماء على أن الله عادل، لكنه يختلفون في بعض أمثلة العدل. وهكذا.

بالنسبة للنقطة الثالثة، من خلال توضيح النقطتين السابقتين، يتبين أن اتفاق العلماء في الأصول العامة (العقدية، الأخلاقية، والفقهية) تعطيه للإسلام والمسلمين هوية عامة جامعة، واختلافهم في التفاصيل والتفسير يعطي الأمة فرصة الاجتهاد في تطبيق الدين، وتطوير بعض المفاهيم، وإعادة النظر في بعضها الآخر، وبالتالي فإحد حدود الاختلاف وطبيعته لا يضر في صلاحية الدين لتكوين نظام اجتماعي.

ومن جهة ثانية فإن اللجوء إلى ما يسمى “بالقانون الوضعي” لكن يوقف الإختلاف، بل هو فيها ـ ربما ـ أكثر، فإذا كان سبب عدم صلاحية الإسلام ليكون نظاماً اجتماعياً هو الاختلاف، فإن هذا الاختلاف موجود في القوانين والمذاهب الوضعية بنفس النسبة إن لم تكن أكثر. هذا؛ ناهيك عن أن مصطلح “الوضعية” وتاريخه واستعماله بحاجة إلى تدقيق ومراجعة عميقة لمعرفة جذوره، لأنه يحدوني الشك في أن جذوره متعلقة بالتراث المسيحي وعلاقته بالدولة الدنيوية، وقد إنتقل إليها في فترة الاستعمار، وصنع لنا مشكلة من لا شيء، فهو أزمة في الفكر المسيحي وليس في الفكر الإسلامي.

والله العالم.

@SalehNasser86: سلام عليكم. تفضلتم في إجابتكم للسؤال حول الاسلامي وإختلاف فهمنا له عبر العصور وعبر تغير العلوم “أصوله -الاسلام- العامة وأساسياته وقيمة الرئيسية وضروراته الفقهية وشعائره العبادية ثابت ولا يتغير. ماهي هذه الاصول ومن يحددها؟ و كيف السبيل الى حل الاختلاف اذا وقع؟ ألا يؤدي هذا الاختلاف إلى خلاف؟ وهذا الخلاف أقل حده إذا كان القانون وضعياً؟

 البلوشي: سأبدأ في الجواب من نهايته، لا أعتقد أن الإختلاف في “القانون الوضعي” أقل، ويكفي لمن يريد التأكد أن يراجع حقل فلسفة القانون ليرى مدى عمق الإختلاف بين مفكري وفلاسفة القانون.

أما كيفية معرفة الثوابت الدينية؟

فالعمدة هو واضحات العقل ومحكمات القرآن الكريم والسنة، وفي الضرورات الفقهية والشعائر هو الاستقراء ومحكمات القرآن والسنة.

هذه الواضحات هي التي يعرفها ليس المسلم فحسب بل وحتى من هو خارج الإسلام، ومن خلالها يحدد هوية إنسان ما على أنه مسلم ـ بصورة عامة ـ أم لا.

ولم ولن نجد اختلاف في هذه الاصول التي تشكل الهوية العامة للإسلام والمسلمين، وإنما الخلاف يأتي في الجزئيات والتفاصيل، فعلى سبيل المثال لم يختلف أحد على أن الله واحد، وأنه عادل، وحكيم، وقدير، كما لم يختلف أحد على أن العدل والإحسان والوفاء بالعهود من الثوابت القيمية، كما لم يختلف أحد على ضرورة الصلاة والصيام والزكاة والحج، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة زواج الأخت والأم، كما لم يتخلف أحد على شعائر الدين كالحج ، والأعياد.

وبالتالي فلا أعتقد أن فرضية أن سيختلف عليها أحد فرضية واقعية.

والله العالم.

@SalehNasser86: شكراً على التوضيح. هذا الاختلاف في الجزئيات ألا يؤدي إلى الخلاف والتناحر؟ والإحتكام إلى القانون الوضعي (رغم الاختلاف فيه) يقلل من هذا التنحار وذلك لعدم أخذه طابعاً دينياً يؤدي إلى تهيج المشاعر؟

البلوشي: ما أظنه، أن الخلاف والتناحر، وتهييج المشاعر أمور ليس لها علاقة بالقانون الوضعي أو الديني، إنما هي مرتبط بثقافة الحوار، فهنالك خلاف وتناحر وضعي إن صح التعبير، وهناك خلاف وتناحر ديني، وربما يمكن معرفة ذلك من خلال ملاحظة الحملات الإنتخاباية للبرلمان أو الرئاسة في الدولة المتقدمة، فهي ممزوجة بالعواطف والمشاعر لكنها مؤطر بأسس الحوار، وكذلك يمكن النظر إلى حوارات علماء الدين في مجالس دروسهم، كما في بحث الخارج على سبيل المثال، فهي ممزوجة بالعواطف لكنها مؤطرة بأسس الحوار، هذا في الجانب الإيجابي، أما الجانب السلبي فهنالك حوارات “وضعية” تصل إلى درجة التناحر كالتي كانت بين دول أوربا ما قبل الحرب العالمية الأولى والثانية وأثنائهما، وتتكرر في بعض الدول الحديثة اليوم، وكذلك هناك تناحر ديني واضح لا يحتاج إلى إشارة خصوصاً هذه الأيام.
فالمسألة ـ والله العالم ـ مرتبطة بثقافة الحوار وليس لها علاقة بكون الخلفية دينية أو وضعية.

[2]

كيف ينقض الفكر المسلم نظرية التطور بالأدلة العقلية فقط؟

البلوشي: الحقيقة أن هذه القضية متعلقة بمسأل علاقة الدين بالعلم، فالمسألة ليست متوقفة على نظرية التطور، أو الإنفجار الكوني أو الكوانتم، بل تتصل بتحديد موقف علمي واضح من علاقة الدين بالعلم، وهذه القضية باتت اليوم قضية جديّة من حيث الأهمية ومن حيث مستوى البحث وعمقه. كما أنها تُبحث اليوم في ظل متغيرين مهمين، هما: أولاً: نضوج العلم ووصله إلى خبرات متراكمة كبيرة، خصوصاً بعد البحوث العميقة في حقل “فلسفة العلم”، فقد أعيد تعريف مفهوم العلم وطبيعته، وطرحت العديد من النظريات في تفسيره. وثانياً: نضوج الفكر الديني، وانخراط علمائه في المجلات العلمية، مما يجعل الحوار في المسألة أكثر نضجاً مما كان عليه في السابق.

وفوق هذا وذلك، فإن ما أظنه إن إشكالية العلم والدين إشكالية مسيحية أكثر منها إسلامية، وخصوصاً فيما يتعلق بنظرية التطور.

والله العالم

[3]

ما هو تعريف الدين؟ وما هو الإسلام؟

البلوشي: ليس من السهولة تقديم تعريف عن “الدين”، فالمسألة ليست لغوية بحيث يمكن من خلال الرجوع إلى معاجم اللغوية حسم المسألة فيها، بل القضية معرفية وفلسفية وفكرية، ولا يمكن فيها تحديد تعريف عام يدخل جميع الأديان تحت نفس المسمى، بل إن حتى دارسي الأديان لاحظوا هذه الإشكالية؛ إذ وجدوا فوارق واضحة بين “الأديان” السماوية الكتابية وبين غيرها من الأديان غيرالكتابة كأديان شرق آسيا، كما وجدوا فوارق كبيرة بين هذه الأديان من جهة، و”الأديان” الأفريقية. من هنا اختلط الكلام عن الدين مع الكلام عن الخرافة، وكثير من النقاشات وقعت في مشاكل منهجية في تناول مسألة الدين لأنهم يريدون وضع الأديان جميعها في مسمى واحد، فليس من المعقول في نقاش أي قضية تتعلق بالدين أن نضع الدين الإسلامي بمنهجية وتاريخ وتراثه مع الدين الأفريقي بمنهجيته وتاريخ وتراثه تحت مسمى واحد. مثلاً لو أراد احد مناقشة قضية علاقة الدين بالسياسة أو العلم أو الحياة، فإن “الدين” الإسلام شيء و”الدين” البوذي شيء آخر، بالتالي لا يمكن إطلاق حكم عام في الموضوع بالقول “أن الدين يصلح في الحياة السياسية أو لا”، لأن الكلمة في كل منها وإن تشابت تماماً في اللفظ لكنها مختلفة تماماً في المعنى.

وكذلك الأمر في تعريف الإسلام، فهنالك خطوط عريضة جداً في العقيدة والاخلاق وضرورات الفقه والشعئر الدينية العامة يمكن القول عنها أنها الإسلام، لكن في التفاصيل هنالك اختلاف بحسب المنهجيات في تفسير الإسلام.

والله العالم

[4]

ما تقولون فيمن ينكر أن هناك حد للردة؟

البلوشي: المسألة تتعلق بمعنى “إنكار حدّ الردة”، فإن كان الإنكار تاريخي بالقول أن هذه القضية ما وجدت، فهذا مخالف للتاريخ، فالتاريخ يشهد بوجود هذا المفهوم منذ بالبدايات الأولى للرسالة، وأما إنكارها من حيث بعض التفسرات التي تصور مسألة حدّ الردة على أنه ضد حرية التعبير والمعتقد، فإنا مع المنكرين إتباعاً لآراء العلماء الذين يأطرون قضية الردة ضمن حدود واضحة تتناسب مع بقية قيم الدين وعلى رأسها الحرية في الإعتقاد وعدم الإكراه في الإيمان وحرية التعبير.

والله العالم

@SalehNasser86: ماهي حدود حرية التعبير؟ وهل الإسلام يبيح حرية الاعتقاد أم حرية التعبير و نشر الاعتقاد أم كليهما؟

البلوشي: في البدأ لا بد من تأكيد حقيقة، وهي أن القيمة، أيّة قيمة، لا تعيش في فضاء مستقل على بقية القيم المجاورة لها، وبالتالي هي ليست اللاعب الوحيد في الملعب، بل هناك لاعبون آخرون في الميدان، فتحديد حدود أي قيمة مرتبط بالنظر إلى بقية القيم.
هذا الكلام يجري مع موضوع حرية الرأي والتعبير، فهي قيمة أصيلة للإنسان ليست بحاجة إلى جهة لتبريرها وتشريعها، بل من يريد تقييدها بحاجة إلى دليل ومقيّد، وهذه المقيدات هي ليس مقيدات دكتاتورية دائماً بل قد تكون قيم أخرى، مثلاً قد تتعارض حرية الرأي مع قيمة السلم الاهلي، وهو ما يسمى في أدبيات حرية الرأي بـ”خطاب الكراهية”، وكذلك الأمر قد يتعارض مع السب والبهتان وقذف الأعراض، كما قد تعارض مع تزوير الحقائق قضائياً أو تجارياً من خلال نشر أخبار خطأ عن شركة معينة مما يؤدي إلى ضرر اقتصادي، كما قد يتعارض مع الحياء العامة، وذلك من خلال الكلام الفاحش.
وبالمناسبة أقول فإن الجدل في هذا الموضوع ليس دينياً فقط بل حتى في الإطار غير الديني تناقش هذه المواضيع.
وعليه: فإن حرية الرأي والتعبير الأصل فيها الإباحة، أما تقييدها فهو خاضع لمجموعة كبيرة من المحددات التي قد تختلف من زمان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر.
وبطبيعة الحال فإن حرية التعبير متربط بنشر العقيدة، وتخضع لنفس المعايير.
على سبيل المثال، النازية ممنوعة بكل وجوهها في المجتمع الغربي، شعاراً وترويجاً ونشراً ودفاعاً عنها، والسبب ليس تقيد حرية الرأي بل لأنها فكرة تخالف ثوابت ما قامت عليه الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية (بالإضافة لدعوتها للعرقية والعنف).

@SalehNasser86: وما معايير حرية التعبير في الاسلام و ضوابطها؟

البلوشي: هي من المسائل المتغيرة التي ترتبط بظروف الزمان والمكان؛ فالمجتمع وطبيتعه، والزمان وطبيتعه لهما دخالة كبيرة جداً في تحديد الضوابط، فظروف الحرب غير ظروف السلم، والحديث عن الأشخاص غير الحديث عن الأشياء، والبحث البحث العلمي غير الدعوة للكراهية.
وبالتالي يمكننا القول: أن حرية التعبير من الثوابت، وتحديدهاً من لمتغيرات المرتبط بالظروف مراعاة للقيم الأخرى ونظراً للواقع المعاش.

@A_AlShemali: في معرض جوابك عن حد الردة، هل إذا قررنا نعمل نظام سياسي إسلامي فهل من الصحيح أن تكون من ضمن قوانين هذا الدولة حد الردة ، يعني إذا ارتد أحد المسلمين فيها يستتاب ثلاث أيام وإذا لم يتب يقتل؟

البلوشي: نحن بحاجة أولاً لتحديد مفهوم حد الردّة، وأنها فرع عن أي أصل أخلاقي فقهي في الإسلام، وبالتالي تحديدها في موردها، أو إعادة قراءتها من أساسها، قد تكون من المفاهيم التاريخية، أو ما يعبر عنه باللغة الفقهية من “القضايا الخارجية” أو “قضية في واقعة”. هذه المسألة بحاجة إلى اجتهاد من أهل الاختصاص.
والله العالم.

@Abdallahq8: ماذا نرد على من يقول بأن مفهوم الاستتابة المترتب على ارتداد الشخص من دينه مدعاة لترسخ النفاق وشيوع التدين الظاهري، فالمرتد غالبا لا يرجع عن ارتداده إلا خوفاً على نفسه ودمه من الإراقة؟

وما رأيك بمن يعتقد بأن حكم الردة رغم ثبوبته تاريخيا الا انه يجب ان لا يؤخذ بمنأى عن سياقه التاريخي وظرفه الزماني، سمعنا آراء تدعي بأن الحكم كان ضد المرتدين الحربيين .. ويستدلون بعبدالله بن أبي سرح كاتب الوحي الذي إرتد .. ولكن الرسول لم يطبق عليه الحد بعد شفاعة عثمان له .. فلو كانت الردة حداً شرعياً ومن حكم السماء فكيف يتسامح الرسول (ص) معه ولا يطبق عليه الحدّ؟

البلوشي: هذا النقد صحيح على مفهوم الردّة بالصورة المطروحة، فلا يمكن تغيير قناعة إنسان بالقوة الجسدية والترهيب.
أما التفسير التاريخي للردّة فإني أميل إليه كثيراً ـ رغم عدم بحثي للموضوع بصورة مسهبة ـ وما يعين عليه عدة أمور:
1- أن حكم الردة لم يرد في القرآن الكريم، بل جاء ـ إن صحة النسبة ـ في السنة النبوبة. والسنة النبوية فيها أحكام زمانية وأخرى دائمة.
2- الكثير من روايات الردّة تتناسب مع تبرير وقائع القمع التاريخي لبعض الخلفاء وللأمويين، وبالتالي فإنها محل شك في صحتها من هذه الناحية، خصوصاً أن أئمة أهل البيت (ع) ـ وفقاً للمذهب الشيعي ـ لم يتنس لهم الحكم حتى نعرف رأيهم الواضح والصريح لموضوع الردة، ألا الإمام علي (ع) والتي كانت حياته ميلة بحرية الرأي حتى حرية رأي من كفرّه من الخوارج.

والموضوع كما قلت بحاجة إلى اجتهاد جديد.
والله العالم.

@SalehNasser86: هل هذا الأمر يجري على من يقوم بزعزعة المعتقدات وبث الشبهات في المجتمع الاسلامي؟

البلوشي: تحديد معنى الشبهة، والزعزة، مرتبط بالظروف، وبالتالي لا يمكن تحديد مفهوم ثابت لهما. فالمسألة ترتبط كما قلت بعلاقة النقد والرأية ببقية القيم والظروف.
والله العالم.

@SalehNasser86: هل القصد من كلامكم ان الحد موجود، ولكن تفسير الردة مختلف فيه حسب الظروف؟

البلوشي: الحد وهو القتل مذكور تاريخياً، ولا أعرف مدى صحته، بل أشكك شخصياً في كثير من المنقولات خصوصاً تلك التي تنقل عن النبي الأكرم (ص).
أظن أن أصل عقوبة القتل في هذا المورد قابلة للاجتهاد من أساسها، ما لا خلاف عليه أن هو وظيفة الدولة في حماية الشعب من الضرر، وهو مفهوم نسبي، وفاعله يستوجب أن يوقف عن فعله، أما كيفية الإيقاف وتحديد الضرر فهما مرتبطان بالظروف.
والله العالم.

@Abdallahq8: مضى شيخنا 1400 سنة على هذا الحكم .. ألا يوجد من خرج بفكرة أو قرائة جديدة أو اجتهاد يصب في إتجاه مخالف لما ذهب إليه عموم علماء المسلمين؟

البلوشي: هنالك عدة اجتهادات في الموضوع، بعضها حاول معالجة المسألة من نفس الأدوات التقليدية، كما فعل المرجع المرحوم السيد محمد الشيرازي بفتح باب الاستتابة إلى ما لا نهاية، وتعطيل حد الردة في ظل ما يسميه بالشبهات العمومية في هذا العصر، كالمد الشيوعي وغيره.
وهنالك محاولات لإعادة قراءة المسألة بصورة مختلفة قدمت من علماء دين سنة وشيعة، وبعض المثقفين.
ولأن المسألة ليست من الثوابت فالاجتهاد فيها مفتوح وقابل للتجدد.
والله العالم.

[5]

ما مدى حجية الأحاديث؟

البلوشي: الأحاديث أنواع وأصناف، ولكل منهم درجة من الحجية أو عدمها، ومما لا ينكر أهمية الأحاديث كمعبر عن كلام النبي (ع) في فهم الدين ومعرفته، فهي تجلي لكلمة (يعلمهم الكتاب والحكمة).

والله العالم

[6]

الحسن والقبح أمران عقليان، فهل نحتاج إلى دين ليعلمنا الأخلاق الحسنة؟

البلوشي: صحيح أن عند غالبية الإمامية، والمعتزلة، وبعد الزيدية، وجزء من أهل السنة والجماعة، يقولون أن الحسن والقبح عقليان (على الاختلاف في تفسير المسألة)، لكن الأخلاق لا تحتاج فقط إلى مجرد التحسن والتقبيح العقليين، فهذه هي المرحلة الأولى في بناء الأخلاق، وهو الإيمان بقدرة العقل على اكتشاف القانون الأخلاقي، إلا ان هنالك مراحل أخرى غيرها. والدين الإسلامي في جميع المراحل يمثل ضرورة، فهو في المرحلة الأولى، أسس للإنسان العاقل، وآمن بالعقل ودوره في اكتشاف الأخلاق، واعتباره منبعها (كما في حديث جنود العقل والجهل)، كما أنه في مراحل أخرى كان سنداً أساسياً فيها.

إذ أن الأخلاق بحاجة إلى تطهير النفس من الهوى ليستطيع العقل الوصول إلى القيم الأخلاقية، وللدين في هذا المجال دور كبير من خلال الشعائر الدينية، والآداب الروحانية. كما أن الأخلاق بحاجة إلى قدوة عملية تمثل رمزاً لأهل الفضائل في الحياة العملية، وهنا أيضاً للدين دور كبير من خلال تقديم القدوات البشرية من الأنبياء والرسل والأولياء (ع) ليكونوا قدوات عملية للبشر على الأرض وأسوات تُتَبَع. كما أن الأخلاق بحاجة إلى صياغة قانونية تضفي عليها القداسة التي تحميها من أن تكون ألعوبة في أيدي الطغاة، وهنا دور الدين من خلال نصوصه الواضحة المحكمة في الدعوة إلى العدل والحق والحرية، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور، وأداء الأمانة، والإحسان، ونصرة المستضعفين؛ والتي تتحول إلى قواعد أصولية وفقهة للتشريع.

ويكفي لتلمس هذه الحقيقة مطالعة بعض الجدل الأخلاقي في عالم اليوم، والذي يدور في أروقة منظمات دولية، وفي قاعات الجامعات، وعلى ألسن فلاسفة الأخلاق والقانون والسياسية، إذ أن بالنظر إلى هذا الجدل يتضح إلى أي مدى أن مجرد القول بالتحسين والتقبيح العقليين للأفعال، لا يمكن أن يؤسس نظاماً أخلاقياً، بل هي مجرد البداية.

والله العالم.

@SalehNasser86: بالنسبة للتحسين والتقبيح العقليين وعلاقتهما بالاخلاق، تفضلتم بالآتي: الأخلاق بحاجة إلى صياغة قانونية تضفي عليها القداسة التي تحميها من أن تكون ألعوبة في أيدي الطغاة. لا يجعل ذلك من رجال الدين سلاطينا باستغلالهم للدين؟

البلوشي: “التسلطن” ـ إن صح التعبير ـ ظاهرة بشرية يقوم بها عالم الدين كما يقوم بها عالم الطبيعة، أو السياسي أو التاجر أو غيرهم من أصحاب طموح السيطرة، وهم من أجل ذلك يتوسلون بكل شيء.

المقصود من تلك العبارة هو الإجابة على سؤال: كيف نحمي الأخلاق من ان تكون ألعوبة بيد البشر، خصوصاً في أساسياتها وخطوطها العريضة؟
وما كنت أفترضه أن أحد جوانب حماية الأخلاق هو بربطها بجهة عليا مقدسة، وقد حاول البعض البحث عن جهة “عليا” غير الدين، كمن قال بالقانون الطبيعي، وأن الطبيعة هي التي تؤسس للقيم الأخلاقية، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يسلب الإنسان “حقه الطبيعي”، لكن مع تقدم العلم، وتطور البيولوجيا، فإن مفهوم الطبيعة البشرية وضع على المحك، وصار البيولوجي ناطقاً باسم الطبيعة، وبالتالي باتت الأخلاق غير محمية.
يرى البعض أن الحل بإرجاعها إلى الله ـ سبحانه ـ وهذا يحميها من عدة جهات:
1- أن التعدي عليها، تعدي على الله ـ جل وعلا ـ.
2- أن من يفهمها هو جميع خلق الله، بأدني مستوى علمي، لأنها فطرية وعقلية في خطوطها العريضة.
3- أن تأسيسها وتثبيتها هو إقامة لدين الله ـ سبحانه ـ.

أما علماء الدين، فهم ليسوا عرقاً من البشر، بل من يريد أن يكون عالم دين فليس هنالك شرطاً غير شروط العاقل العامة.
نعم، قد يجير بعض العلماء الأخلاق لمصالحم من خلال تفسيرات وتأويلات معينة لكن المجتمع الحر ورقابة الناس تمنع هذا الاستغلال.
كمثال على هذا الموضوع: قضية الاحتباس الحراري، فثمة جدل يدور حول حقيقته، وهنالك تهم لعلماء معينون في الأمم المتحدة يحورون من المعلومات من أجل مصالح معينة، أو علماء الاقتصاد الذي يحورون معلومات معينة لفرض ديون على دول، أو علماء الطب الذي يوصون بأدوية معينة من أجل تسويق لشركات أو دول مصنعة لأدوية معينة.

الذي يكفل منع العلماء، كل العماء في كل الاختصاصات، من التحريف والاستغلال هو المجتمع المفتوح الحر الناقد.

@SalehNasser86: ولكن الأخلاق لايستوعبها جميع البشر. و عندما يكون التعدي عليها تعد على الله، هنا يتسلطن رجال الدين بتقديم تفسيرهم للاخلاق و يصبح التعدي على مثل هذا التفسير تعد على الله.

البلوشي: بل يستوعبها جميع البشر بفطرتهم، قد يغفلوا عنها وقد يخدعون، لكن في ظل المجتمع الحر والناقد فإن تحريفها واستغلالها أقل بكثير.

أما إذا استغلها علماء الدين، فإن عدالتهم تسقط، وبالتالي تسقط سلطتهم في التقليد والاتباع، ويكونوا من علماء السوء.

@SalehNasser86: ولكن في جوابكم أشرتم إلى عدم قدرة العقل منفرداً على إدراك الاخلاق!

البلوشي: العقل بمعنى تلك القوة القادرة على الإدراك والحكم والتعقل، قادرة بلا شك على معرفة الأخلاق، لكن هذه القوة بحاجة إلى معونات من قوى أخرى في النفس البشرية، كقوة الإرادة أما الأهواء والشهوات التي تحرف فهم الإنسان، ومعونات من المتجتمع في تقديم القدوة الصالحة . . . الخ.
العقل في اللغة الدينية يطلق على مركب قدرة التعقل والعمل على أساسه، لذلك نرى الإمام الصادق يصف العقل وجنوده.

والله العالم.

@SalehNasser86: المجتمع الحر الناقد، هل للجميع حق النقد فيه؟ اذا كان كذلك فسيدخل من هو غير المختص وتختلط الامور. ام ان يكون المنتقد من ذوي الاختصاص كما في الجامعات و المحافل الاكاديمية حيث لايحق لاحد ابداء رأي مالم يكن مختصا؟

البلوشي: المجتمع الحر الناقد مكون من تركيبة مؤسسية، وثقافة عامة، تجعل التعبير عن الرأي والنقد سمة بارزة فيه، وذلك من خلال مؤسسات الإنتخاب، وتوفير التعليم للجميع، وحرية تداول المعلومات، والصحافة الحرة، وتساوي فرص النفوذ إلى مناصب البلد.

أما دخول غير المختص في اختصاص الغير، فهذه مسألة بحاجة إلى معالجة من جانبين:

1-        في أساس تقسيم الاختصاصات، فالعلم اليوم بات لحمة واحدة، وقضايا المجتمع مترابطة بشكل عضوي، فلا يمكن الحديث عن قانون تنظيم باصات النقل ـ على سبيل المثال ـ من دون الحديث عن سياسة المرور، وحقوق العمال، وساعات العمل، والمناطق التي يخدمها، وطبيعة السكان، وحاجات السوق، ومراكز العمل . . . فبالتالي الحديث عن الاختصاص رغم صحته إلا أن المبالغة فيه دكتاتورية مغلفة، والمعرفة تراكمية، وتعتمد على التكامل بين جميع الأقسام، ومن ينتقد فإنه قد يكشف عن جانب من الموضوع.

2-       حق إبداء الرأي ليس له علاقة بمستوى علم صاحب الرأي، قد يكون هنالك علاقة بين أن يكون الرأي ملزم وبين الاختصاص، لكن ليست هنالك علاقة بين إبداء الرأي والمستوى العلمي.

مثلاً: من حق الجميع نقد اتفاقية اقتصادية معينة بين بلده ودولة أخرى، لكن هذا النقد ليس ملزم، الملزم هو قرار البرلمان استناداً للاقتصاديين.

وكمثال حي آخر على: أنظر إلى فكرة الريفيو (review) في المنتجات التي تبيعها الشركات العامة، سواء كان المنتج كتاباً أو تلفون أو لعبة أطفال، فإن إبداء الرأي فيه مفتوح للجميع، وهو عامل صحي، لكن الشركة غير ملزمة بالنقد، لكن توفر النقد للجميع يساعد الجميع على القرار الصحيح.

[7]

من المسلمات أن الأمور العقائدية لا يوجد فيها تقليد، على عكس الأمور الفقهية. فما معنى عدم وجود تقليد في الأمور العقائدية؟ ولماذا ينعت البعض ممن خالف الجماعة بالمنحرف فكرياً أو الضال، إذا وصل به التفكير إلى عقيدة تختلف عن المسلم بها؟

معنى عدم التقليد في العقائد أن التقليد بذاته كطريق لمعرفة الحكم الشرعي بحاجة إلى تدليل، ولا يمكن أن يكون هو دليل نفسه، لأن هذا غير منطقي، فمسألة وجوب التقليد هي بنفسها لا يمكن التقليد فيها، بل بحاجة إلى اجتهاد من الإنسان. وأساس الإيمان بالتقليد مبني على الإيمان بوجود التكليف، وهي الأخرى مبنية على وجود المشيئة أو الإرادة الإلهية، وهي الأخرى متعلقة بصفات الله ـ سبحانه ـ وبالتالي بوجوده ـ عز وجل ـ، فالقضية تسلسل منطقي، فالعقائد هي التي تنشؤ مساحة التقليد، وتشرع حكمها، فلا يمكن للتقليد أن يوجد إلا بعد وجود العقيدة، وبالتالي لا يمكن بناء العقيدة على التقليد، وإلا قدّمنا ما حقه التأخير، وأخرنا ما حقه التقديم منطقياً.

أما نعت الآخرين بالإنحراف والضلال؛ فلا بد أن يخضع لمعايير تتصل بضرورات الدين التي لا يشك بها أحد، وأن يكون تحت رقابة المختصين لا تحت أيدي التوجهات الاجتماعية والسياسية التي تستخدم مثل هذه الأوصاف لعوامل اجتماعية غير علمية أو دينية.

والله العالم

العدالة: ما هو الشيء الصحيح الذي يجب عليك فعله؟ “أكل لحوم البشر” (2)

هذا هو القسم الثاني من المحاضرة الأولى في سلسلة “العدالة: ما هو الشيء الصحيح الذي يجب عليه فعله؟”، والتي تتناول “الجانب الأخلاقي للقتل“. فقد تحدث مايكل ساندل (Michael Sandel) في القسم الأول منها عن “لغز” فلسفي في موضوع العدالة؛ وهو فيما لو خيّر إنسان بين أن يقتل شخصاً واحداً أو عدة أشخاص، فما هو “العدل” في ذلك؟ هل يُضحى بالشخص الواحد من أجل حفظ حياة العدد الأكثر من الأشخاص أم أن “كرامة” الإنسان و”حقه” في الحياة لا يمكن تبرير سلبها في مطلق الأحوال؟

في هذا القسم يتناول ساندل حادثة وقعت فعلاً، حيث تاهيت سفينة مجموعة من الملاحين في عباب البحر، ودارت بهم الأيام حتى نفد كل ما كان لديهم ليبقوا على قيد الحياة، وفي ظروف غامضة لم تُعرَف إلا لاحقاً بعد إعترافات الملاحين تبيّن أنهم قرروا أن يأكلوا أصغرهم وأضعفهم من أجل أن يبقوا على قيد الحياة. وتناقلت الصحف آنذاك هذه القضية حتى وصلت إلى منضدات المحاكم، وبين أيدي القضاة الذين يفترض بهم أن يحكموا بـ”العدل” بين الناس، وفعلاً قالت المحكمة آنذاك كلمتها، وعبّرت بالتالي عن مفاهيمها للحكم العادل والأخلاقي، شاهد/دِ المحاضرة لمعرفة حكم المحكمة، لكن ما هو رأيك/كِ أنت/تِ؟ هل يتوافق مع معايير العدالة والأخلاق التي استندت إليها المحكمة؟ هل يمكن أن تبرر/ي أكل لحوم البشر أم لا؟

هذه الحادثة على الرغم من تفاصيلها المشوقة، إلا أنها تجلك/كِ أمام تحدي كبير في اختبار “معاييرك/كِ” الأخلاقية.

شاهد/دِ المحاضرة وواجه/ـهِ التحدي.

* * *

للتمكن من عرض الترجمة العربية (على الأقل مرحلياً ريثما أطور من عرضها لاحقا) عليك عند فتحها من موقع اليوتيوب أن تذهب إلى أيقون (CC)، الموجودة باللون الأحمر في الزاوية اليمنى للشاشة، وتختار الترجمة العربية.

* * *

* * *

لظروف فنيّة ترتبط بإعدادات الحلقات بالصورة التي تستحق، وأداء الترجمة بما تتطلبه من دقة، فإني سأؤجل نشر بقية الحلقات إلى أجل غير مسمى ريثما تتهيئ الظروف المناسبة لها، لكن المدة لن تكون طويلة بإذن الله.

* * *

شكر خاص في هذه الحلقة للدكتور محمد قاسم (@mqasem) الذي قام بجهود تصحيح ومراجعة الترجمة.

الدكتور محمد قاسم

* * *

لأي ملاحظات أرجو التواصل معي: @halbloshi

أنا مع البروفسور مايكل ساندل في لندن 9 مارس 2012

تمنياتي لكم بمشاهدة ممتعة ومفيدة ، ، ،

 

وحياة أكثر عدالةً ، ، ،