لماذا الكهف؟

الأسطر القادمة تمثل بعض المبررات لتسمية هذه المدونة بـ”مدونة الكهف

ـ 1 ـ 

يحدثنا علماء الطبيعة، وتحديداً من اختص بعلم الكهوف والمغارات (سبْيولولجي Speleology)، عن أنواع عديدة من الكهوف، كما أنهم يُسهبون ـ بالتعاون مع علماء الجيولوجيا ـ في الحديث عن طرق تكونها وتشكلها، ويأخذهم الحديث جانباً عن طولها وعمقها وعرضها، وهي في كل الأحوال “قصة ممتعة”.

mellisani_cave_greece2

هنالك من الكهوف ما لا يوجد إلا في الأماكن الجبلية، باعتباره نتيجة طبيعة للتطور الجيولوجي في تلك المنطقة. وهنالك بعض الكهوف التي تتواجد متصلة بالبحر أو البحيرات، وأخرى تكون في محيط قريب للغابات والمناطق السهلية المخصبة. والمُلفت أن أغلب الكهوف تكون مغايرة لمحيطها، فلن يُحدّثك محيطُ الكهف ـ السهلي أو الجبلي أو البحري ـ عما فيه؛ قد يبعث ببعض الإشارات ويحرك بعض التنبآت لكنه لن يروي القصة كاملة. والميزة الأخرى؛ أن عملية تشكل الكهف تأخذ وقتاً طويلاً جداً يعد بآلاف السنين، كما تتطلب حركة عنيفة في الأرض مصحوبة بحرارة عالية، وممتزجة بعناصر المحيط . . عملية بالغة التعقيد والترَكُب.

ـ 2 ـ

على المستوى الإنساني، يُمثل الكهفُ بالنسبة للإنسان إحدى الوسائل التي استخدمها للاحتماء والسكنى؛ وذلك لما يحتوي عليه من إمكانية الاختفاء والتستر، والوقاية والتحصّن. فما إن يتصارع الإنسان مع الكائنات المحيطة به حتى تراه “أَوَى” إلى كهف يحميه، وما إن ضاقت عليه الأرض بما رحبت تجده يسكن الكهوف. ويطيل علماء الأنثروبولوجيا والأركيولوجيون الحديث عن علاقة الإنسان بالكهف؛ فمن رسوم وكتابات نقشتها سكان الكهوف، إلى أدوات ووسائل استعملوها، وانتهاءً بمخازن ورفوف وأسرّة صنعوها.

11386256-man-standing-in-front-of-a-cave-entrance

مُذاك مثّل الكهفُ علامةً رمزيةً في الوعي البشري، توحي إلى الاحتماء والعزلة، كما أنه محتوى الأسرار، وفي بعض الأحيان مخزن الثروات والكنوز.

ـ 3 ـ

منذ الصغر، وفي طريقنا إلى المدرسة، اعتدنا استماع آيات من القرآن الكريم، وما إن نصل المدرسة حتى نستمع مرة أخرى إلى آيات الذكر تتلى قُبَيْل موعد “الطابور” ـ كما نسميه في لهجتنا ـ، وقد اعتدنا سماع صوت أحد القراء الذي كان شجياً، إذ كان يتلو القرآن بنعومة وشجى، وبـ”لحن” جميل جداً. والمصادفة أن السورة التي كنا نستمع إليها آنذاك كانت سورة “الكهف”.

بمرور الوقت، ودوران حركة عجلة الزمن حدث لى ثمة ارتباط غريب مع هذه السورة الكريمة، فمن جهة كنت أعمل ناشطاً في مؤسسة شبابية عُرفت آنذاك باسم “مؤسسة الرقيم” ـ وللرقيم قصة مشار إليها في سورة الكهف ـ، ومن جهة أخرى تحمل هذه السورة دلالات ومعاني رمزية بالغة الجمال، فاسمها يحتوى دلالة بالغة، وتنوع قصصها يفتح الآفاق إلى عالم من الخيال والعِظة، وصورها البلاغية الرائعة، ناهيك عن معانيها، وفضلاً عن حركة إيقاعها الصوتي.

cave (1)

رمزية الكهف تثير الإنتباه إلى دلالتها في الاستعمال الديني، فالكثير من النصوص الدينية تستعمل هذه الكلمة؛ خصوص النصوص الروحية كالأدعية والمناجاة، أو التي تصف الرموز الدينية، ففي الدعاء المشهور للإمام الحسين (ع) في وادي عرفات نجده (ع) يجأر قائلاً: {أنت كهفي حين يعييني المذاهب في سعتها، وتضيق عليّ الأرض برحبها}، وفي نصوص آخرى: {َ يَا عُدَّتِي عِنْدَ الْعُدَدِ وَ يَا رَجَائِي وَ الْمُعْتَمَدُ وَ يَا كَهْفِي وَالسَّنَدُ وَيَا وَاحِدُ يَا أَحَد}، {يَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَيَا إِلَهِي وَيَا كَهْفِي وَيَا حِرْزِي وَ يَا قُوَّتِي وَيَا جَابِرِي وَيَا خَالِقِي وَيَا رَازِقِي‏}، {وَيَا كَهْفِي وَيَا كَنْزِي وَيَا ذُخْرِي وَيَا ذَخِيرَتِي‏}، {يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا كَهْفِي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي وَعَظُمَتْ هُمُومِي وَقَلَّ صَبْرِي وَضَعُفَتْ حِيلَتِي وَكَثُرَتْ فَاقَتِي‏}

كما أنها تستعمل في وصف الرفقة الطيبة التي يمكن الاعتماد عليها، إذ يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): {َالْإِخْوَانُ صِنْفَانِ إِخْوَانُ الثِّقَةِ وَإِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ، فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ: فَهُمُ الْكَهْفُ وَالْجَنَاحُ وَالْأَهْلُ وَالْمَال‏ِ}

ومن جميل ما يروي التاريخ أن الإمام الحسين بن علي عليه السلام، عندما استشهد في كربلاء وفُصل بين جسده ورأس، ووضع رأسه على الرمح، وسير به من كربلاء إلى الشام، كان الرأس الشريف آنذاك يردد آيات من سورة الكهف {أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا}

فكما يحمل الكهف الطبيعي في داخله الكثير من الأسرار، فإن الكهف في الإطار الديني يحمل مخزوناً دلالياً عميقاً . . يشير إلى الحماية الروحية، والثبات العقلي، والسلوك الرشيد، وهي كلها عنوان للرحمة المنهمرة بانتشار على البشرية.

ـ 4 ـ

بإضافة معطيات العلم الحديث عن الكهوف، ومزجها كدلالات رمزية للمحتوى الديني لهذه الكلمة، وبالنظر إلى واقع عصر المعلومات وتدافع الأفكار . . تتبلور صورة رمزية للـ”كهف” توحي بحال المدونة وهمومها.

لهذه المبررات منفصلة ومجتمعة كان اختياري للـ”كهف” كعنوان للتدوين في عالمنا اليوم.

لكن في الوقت ذاته يثير هذا العنوان قلقاً آخر، لما قد يحتويه من “احتكار للحقيقة” أو “مزايدة” في البضاعة المزجاة هنا . . ولهذا لا بد من وقفات تدوينية للحديث عن “الحقيقة”

آمل أن نوفق للحديث عنها في قادم التدوينات . . .

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s